مدونة سيد الوكيل

كتبها سيد الوكيل ، في 20 فبراير 2008 الساعة: 11:55 ص

هذه المدونة

تهتم بالإبداع الأدبى والنقدى

وتحتفى بإبداعات المرأة

 

فنحن نسعى إلى مدونة متخصصة ، تفيد المبدعين والباحثين فى الأدب

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

هنا القاهرة (شهادة)

كتبها سيد الوكيل ، في 1 ديسمبر 2006 الساعة: 18:44 م

 
هنا القاهرة
 

 
 
 
ربما شهادة المبدع مجروحة فى كل الأحوال ، فإن صدق خان نفسه ، وإن كذب خان الآخرين ، فظنى أن مفهوم الشهادة الأدبية مازال ملتبساً ـ على الأقل فى ذهنى ـ بين السيرة الشخصية والأدبية ، بين الحقيقة والخيال ، بين الإبداع والتنظير ، وملتبس بقوة بين العام والخاص ، وعموما ً فالشهادة الأدبية ليست وثيقة على الكتابة ولا على الكاتب نفسه ، وليست شيئاً كاملاً ونهائياً ، وكأن لها انفلات الأدب ومرواغته ، وكأنها شكل أدبى مختلف يدفعنا للتفكير بطريقة مختلفة فى أ نفسنا ، من نحن ؟ مالذى تبقى منا ؟ لماذا نحن هكذا بالتحديد ؟هل نحب مانحن عليه ؟ مالذى نريده من كوننا أدباء ؟ ماهو نصيبنا فى أن نكون أنفسنا ؟
 

هذه أسئلة قد تكون أقرب إلى نوع من التأمل الوجودى والتحليل الذاتى ، صحيح أن ذات المبدع تتشكل على نحو مستقل ، متفرد وخلاق ومتحرر من تأثيرات الواقع المعاش ، لكن شيئاً فى الخلفية يبقى منحازاً ، ومتجذراً فى الظرف الاجتماعى والتاريخى بكل فاعلياته الثقافية ، ذلك مانسميه الواقع ، لكن الواقع ـ أيضاً ـ فى أحد تصوراته يكون ملتبساً ، غير أن المكان ـ المكان وحده ـ يظل شاهداً عليه ، والآن يمكننى أن أبسط مفهومى للشهادة الأدبية ، بحث جيولوجى فى الذات ، حفائر صغيرة هنا أو هناك ، نقوم بها على نحو حدسى ، لعلنا نمسك بشئ ، شئ يضئ لنا جانباً من تاريخ ذواتنا المبدعة .

كثير من المبدعين لاتؤرقهم هذه الأسئلة عندما يدلون بشهاداتهم ، سيتحدثون عن مكوناتهم الإبداعية على نحو بازغ ، سيعزونها ببعض الثقة إلى حواديت الجدات مثلاً ، رواة السير الشعبية ، مسامرات المصطبة ، مواويل العصارى على شط الترعة ، وربما يذكرون شيئاً عن شيخ الكتاب ، هذه مفردات بسيطة عاشت معهم طويلاً ، وربما عاشت بنفس الحميمية مع الذين من قبلهم ، وظلت واضحة فى ذاكرتهم كمصادر أولى ، ودوافع موثقة لخصوصية إبداعاتهم .
 

ولكنى ولدت وعشت فى المدينة ( القاهرة ) ، وظنى أن حفائر الذات المدنية أكثر عمقاً وغوراً ، بل أكثر تعقداً واحتشاداً ، ومن ثم فالإمساك بمصادر أولى يظل أمراً صعباً ومراوغاً ، وربما مستحيلاً ، وهكذا تأتى على سبيل الحدس ، أعترف بأننى لم أعرف على وجه اليقين شيئاً عن ذاتى المبدعة ، أعترف بأنه لم تكن لى جدة تحكى الحواديت ، وتنقل إلى خبرات عالم لم أعشه ، كل شئ كان علىّ أن اتعلمه بنفسى ، وكل ماتعلمته كان اكتشافى الخاص ، شيئاً جديداً ومباغتا لى أنا شخصياً ، هكذا كنت معرضاً لنوبات الفشل والانحرافات المصيرية المؤثرة ليس فقط على خبرتى بالعالم ووعىّ به ، بل وعلى مزاجى النفسى ، وطرائق التعبير عن ذاتى ، فليس من قبيل المصادفة أننى عشت سنوات مع التمثيل المسرحى ، وأخرى مع الفن التكشيلى ، قبل أن ألتقى بالإبداع الأدبى ، قد يعكس هذا ذاتاً قلقة متوترة ، لاتمتلك شيئاً على وجه اليقين .    

ولدت وعشت فى المدينة ، فى حى شبرا ،آخر حدود القاهرة من ناحية الشمال ، حى بنته ارستقراطية أسرة محمد على وأحفاده ، فسكنه أفندية الطبقة المتوسطة ، وتنازع أطرافه غزاة الشمال من مهاجرى الريف ، فى شبرا ، بين أول معهد أزهرى فيها ( الخازندار) وأول كتدرائية ( سانت تريز ) بضعة أمتار ، عندما تذهب إلى سينما مسرة لابد أن تمر بمدرسة التوفيقية الشهيرة ، وتتوقف قليلاً أمام سورها ، أول سور كتب تخصص فى أدب الناشئين ، والكتب المترجمة من الأدب الحديث ، اعترف الآن أننى لم أكن قارئاً جيداً للتراث ، سأختبئ بمزيد من الهروب إلى الأمام ، فى نهاية هذا الشارع سوق روض الفرج ، هناك سأجد فريد شوقى وهند رستم ، سأشهد معركة حقيقية بين الفتوات ،فى تلك الأيام لم أكن أفكر على هذا النحو المؤلم ، لم يكن بوسعى أن اتكهن ،هنا مولد الرأسمالية الجديدة ، هؤلاء ليسوا أحفاد محمد على ولا من ريحته ، إنهم بالتحديد غزاة الجنوب ، أحفاد مينا موحد القطرين ، من أنا فى كل هؤلاء ؟
و

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

قصص سيد الوكيل .. الصورة

كتبها سيد الوكيل ، في 1 أكتوبر 2009 الساعة: 13:28 م

 

الصورة فى مجموعة " مثل واحد آخر "لسيد الوكيل
د. شاكر عبد الحميد
 
المفهموم المحورى المناسب لقراءة هذه المجموعة للكاتب سيد الوكيل ( من مصر أيضاً ) هو مفهوم الصورة والتصور والتصوير ، فهناك حضور كثيف للصورة والمرايا واللوحات والمشاهد والعيون المحدقة ، وهنا تصور العالم وكأنه مشهد يخلقه الكاتب ويحرك الشخوص داخله وخارجه .
فى " الثعالب و أنا " حديث عن :
ـ الصور التى لا تفنى ، الصور الموجودة فى الذاكرة .
ـ مشهد يجمع بين شخصيات عدة تم تجميعها فى مشهد واحد تجميعى كبير ، ثم تجري تفرقتها بعد ذلك عبر القصة فى مشاهد فرعية ، وهذه آلية من آليات المونتاج والسرد السينمائي المستخدم بكثرة فى هذه المجموعة .
ـ هناك فى هذه القصة حديث عن الصور ، صور الذاكرة ، وكيف تبقى طيلة هذه السنين ، وصور الشخصيات السينمائية ( صوفيا لو رين ) ، والعلاقات الجنسية بين الشخصيات والصور ، صور من الطفولة  ومن المراهقة بتهويماتها الجنسية وأحلامها وتخيلاتها حول الثعالب والطيور ، الثعالب التى تخدع الطيور حين تتناوم ، والطيور التى تهرب محلقة بأجنحتها .
فى " الموت والجمال " حديث عن : الطفل الذى طلب إلى أمه ألا تنسي مجلاته التى يحبها بما فيها من صور جذابة ، وكذلك ألبوم صوره الذي يضعه تحت مرتبته ، وهناك كذلك صورة الطفل الذي يرسم الوجوه ويحدق فيها فيمنحها الله لجمالها أرواحاً ملونة .
فى " الثعالب " كذلك إشارات إلى القلب الذي لا يخفق إلا لصور تفنى ، وحديث عن صور لفتيات عاريات يحتفظ بها الولد .
فى " أشعل الفرن فجراً "إشارات إلى الصور الموجودة فى جيوب الأطفال ، وهى كذلك صور لرجال ونساء عاريات فى أوضاع مخلة .
فى " مساحة صغيرة من الظل " إشارات إلى الفنان الذي يحفر الوجوه على جدران الطين ، ويتحدث إليها ، وإلى إمكان تحول الصور المرسومة الثابتة إلى صور متحركة . الشخصيات فى معظمها تعيش على عالم الصور الخاصة بالذاكرة ، والصور الموجودة فى الذاكرة، والصور والألبومات ، والصور الفوتوغرافية ، والصور المرسومة على الجدران … إلخ ، التى تحضر من خلال صور الذاكرة والصور قد تكون صوراً حقيقية ، وقد تكون صوراً متخيلة ، صوراً مدركة أو متذكرة .
والقصص كلها هى أجزاء من قصة كبيرة ، أو راوية كبيرة ، أو لوحة كبير ة تكتمل عناصرها من خلال آليات التكرار والتماثل والسرد المتكرر وعودة الشخصيات معاً داخل القصة الواحدة ، والتذكر المصحوب بالأسي والشجن ، واستدعاء الماضي فيما يشبه شريط الفيلم السينمائي ، ثم تحريكه بسرعة أحياناً وببطء أحياناً أخري ، وتثبيته أيضاً ثالثة ، وذلك من خلال الصور التى ترصد الماضي عبر ذكريات أليمة ، لكنها تكون أيضاً عندما يجري تذكرها من مسافة ، من على بعد ، طريفة وممتعة ،وقد تدعو إلى الضحك أو الغناء .. وقد تتحول الصور إلى معايير مجردة حين تكون متعلقة بإحساسات انطوت واندثرت ، ولم يعد من الممكن إحياؤها من جديد إلا عبر التذكر وعبر الصور: هنا ترد الإشارات المرتبطة بالصمت والابتسامات والنظرة السريعة أ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

يوسف فاخورى .. شهادة

كتبها سيد الوكيل ، في 1 أكتوبر 2009 الساعة: 13:25 م

يوسف فاخورى ، روائى مصرى يعيش فى أسوان ، قدم هذه الشهادة فى مؤتمر مصر ( أسئلة السرد ) ورأيت أنها مفيدة وقيمة ، وهذا احتفاءخاص بها بنقلها إلى مدونتى الخاصة

                 
 
الكتابة بحثاً عن الظلال
                                ( شهادة)
 
ما الذى يجعل للكتابة ذلك السحر الغامض بلا خلاص ، بلا يقين . أن تقابل همس الكلمات داخلك كغريب يبحث عن غربته . غربته مجاز وسطوره نقطة الضوء فى خفايا ظلمة الظلال .
ككل البدايات الساذجة فى المرحلة الإعدادية بدا لى ما أكتبه نوعاً من القصيد ، حلماً شعرياً تصورت أنى أستطعه ، وللكلمات الأولى حظ الخطيئة فى المغفرة . حين أدركت أنها مجرد خواطر تترفق بالآتى . أضاء صلاح عبد الصبور ثم من بعد صلاح جاهين وفؤاد حداد تلك الارتعاشة الخفية التى يطلقها فينا الشطر / البيت / القصيدة / الرباعية . أدركت أن الشاعر نصف نبى يبحث عن الخلاص من نقشه الأرضى ، ولم أستطع . توقفت قليلاً لألعن نفسى أو أحبها من جديد . قلت : كى تكتب لابد أن تحب نفسك قليلاً ، وفى كل مرة بجديد ، فرحت أقرأ .
الآن وقد بلغت بعضاً من النضج أحاول تأمل ذلك الإلحاح الضاغط الذى يجعل إنساناً يصر على الكتابة كأنها غريزة لابد من إشباعها ، كغريزة السياسى لإرضاء الحيوان السياسى داخله . هل هى نوع من الخلاص ؟ هوس الكلمات التى تموج فى قاع الرهبة إن لم تتشكل يختنق صاحبها بها . لكل كاتب وتر فى آلته الداخلية لم يوجد من قبل فى قلب أحد ، ولن يكون بعد . لكنه أمل العازف أن يبلغ شعرة المستحيل لأن المستحيل أكبر مما يظن اللحن نفسه .
فى بهو الكنيسة ، وفى حضرة الرب طالما جلجل صوت الكاهن متوعداً من أنكروا كلمة الرب ، مشيراً بإبهامه إلى اللامكان يومىء إلى اسطورة برج بابل . صغيراً كنت حين احتوتنى الرهبة لا من تهديد ووعيد الكاهن ، بل من تلك الصورة التى كانت تتجسد لى . بابل تتلألأ بالكلمات والألسنة اختلطت وتوزعت اللغات وانهار البرج الذى جمل ذراها . احياناً حين أكتب تهرب منى الكلمات . أظل أبحث عنها فى برج أسطورى . أهو أعلى من الكلمات أم طوفاناً قد أغرق الحروف الخافية .
طوفان اللغة الذى حاصرنى فى حضارة عشقت المفردات فتوالدت المفردة مفردات ، وأنا أجول فى حديقتها تجولت بفرس عتيق هزمه الريح حتى أنّت حوافره . كنت أبحث عن نفسى فى لغة مستعارة ، ولغة انهارت بين السطور القديمة . لغة تكلست من واقع آسن وتجمد الخيال فيها . وأنا ابن يومى ، ويومى لم يعد أمسى . قلت : اتئد للصوت القادم وأعد كتابة السطور ، وكنت أحاول .  
بهرتنى قراءة التاريخ ، واكتشفت أنه ليس ماضياً تحنط فى الوثائق والكتب الصفراء كما علمونا . وأنه العين الثالثة بين ما كان وما هو قائم والقادم . وتخايلت فى صحوى ومنامى بإصرار الفلاح الفصيح ، وشجاعة الإسكندر ، وخطط بونابرت ، ونبل الحسين ، وسحر الأندلس ، وروعة فنون عصر النهضة … الخ . قرأت ببعض فهم وكل الرغبة فى الوعى بحثاً عن كنه معنى التاريخ الحى ، وحين بلغت قسم التاريخ جامعة عين شمس تحنط التاريخ فى وقائع تاريخية لا حياة فيها ، بلا دلالة أو رؤية أو معنى . وكانت جدران الجامعة تهمس إحفظ تسلم ، وضع حجراً فى عقلك ـ ولم أقدر .
على أن قراءة التاريخ ـ وليس دراسته الأكاديمية ـ علمتنى أن أرى امتداد خيوط الأحداث إلى ماض قد يكون سحيقاً . وعن رواسب تكمن فى قاع الإنسان وفى الفعل البشرى ، قد يتجلى فى لفظ عفوى أو سلوك عادى قد لا نلتفت لجلجلاته فى الأعماق . ومازلت أقرأ الوقائع البسيطة عبر عمقها التاريخى ، وتلك روعة الوعى بقراءة التاريخ .
كشفت لى دراسة التاريخ الفارق بين الدين والمؤسسة الدينية . بين النبى فى تجلى رسالته ووكلاء الرب من ذوى الكروش . وكما أحببت المسيح بعيداً عن الطقوس الكنسية الصنمية . وفى الجوهر الأكثر إلحاداً فى كيانه . جوهر هذا الملحد الرائع والكافر بكل ما سبق وما تم تكريسه وتجميده على أيدى كهنة اليهود . جوهر رفض السائد والآمن والمستقر إلى حد النمط البليد . أعطانى معنى المبدع الأصيل أن يقول كلمته وهو يدرك أنها سقطته الدرامية ليجترح المعنى الآخر والخفى . كاكتشافى لكنز يدعى "نيكوس كازنتزاكس" تحولاً فى رؤيتى وادراكى للمعنى . ومازالت جملته فى رواية الاخوة الاعداء تطن فى رأسى " أنا اريد مسيحاً جائعاً مقهوراً كذلك الذى كان يمشى على أرض عمواس " . وبدت لى تلك القداسة التى يتم تكريسها نوعاً من الاخضاع لكبرياء إنسانى كان من الممكن أن يكون جميلاً دون إذلال . بدت لا إنسانية وخارج الطبيعة إلى حد الاصطناع .
وكان إلحاح ما يدفعنى دون إرادة منى لمزيد من التأمل فى الأسئلة الحرجة والجوهرية . تلك التى لا تتبدى على سطح المألوف والسائد ، تلك التى نخشاها ونهرب منها إلى الوهم . وكان لمدينتى نهر طفولى لم يبرح طفولته عبر الزمن . وكان لى حجر على جرف النهر . قبل الغروب اجلس واضعاً قدمى العاريتين فى مائه الشفيف . ومن قدمى تتصاعد الدغدغات إلى حواسى . قد أقرأ قصيدة فأمتلىء واتملى . قد أكتب خواطر أكثر بلاهة عن معنى لا أدركه كى يدركنى يوماً . وقد اصمت وللصمت حق الدمدمة فى الكلمات القادمة .
بدأ إدراك مبهم يطاردنى . إننا نولد بين كذبتين . كذب أفكار ماتت منذ زمن تربينا عليها وترسخت فين

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

فتنة اللغة والجسد والروح

كتبها سيد الوكيل ، في 27 أغسطس 2009 الساعة: 13:50 م

من دفتر قراءات وانطباعات :

 

فتنة  اللغة والجسد والروح في سرديات  سيد الوكيل

 

فهد العتيق

 

اللحظة السردية عند الروائي والناقد المبدع سيد الوكيل تتطور داخل النص مثل عاصفة صغيرة , تنمو وتتشظى, هادئة أحيانا ومتوترة أحيانا أخرى , ربما هي من ذاكرة اللحظة , اللحظة الفنية البكر, التي اختمرت في الذهن طويلا لكاتب مهموم , وهذه هي روح الكتابة الحديثة أو الجديدة , حيث لا دخول تقليدي قصدي مسبق يكسر عفوية واضحة و رفيعة للنص , عفوية فنية مبدعة تكشف بوضوح حالة صدق فني , مثلما تكشف عن كاتب مختلف ومتجدد بأدواته وقدراته , ومهموم بقضايا الإنسان في مجتمعة.  

 

ف

ي قصة ضوء شاحب في النافذة , يتابع الكاتب  تفاصيل حياة يومية , من خلال حكايات فيها متعة وجاذبية , تشعر أحيانا أنها ليست قصصا , لكنها  شيء يشبه حقائق تتلبسنا مثل روح , ربما حين  أتاح هذا السارد الممتع في (صاحبة الضوء الغافي) , لعفريت أن يزيح  قليلا سدادة تحبسه ,  ليتسرب عطرها شيئا فشيئا في فضاء الحمام , وكانت قد  أخذت المسجل ودخلت الحمام ثم انقطعت الكهرباء فجأة  , حتى أنها حين خرجت عارية لتحضر شمعة وثقابا  , ثم عادت فاجأها عطرها , كان عطرا معتقا لربع قرن من الزمان فداهمتها سكرة الحواس حتى أمكنها سماع فقاعات الصابون وهي تتنفس فوق جلدها لوقت هين , ثم تموت في صمت . 

 

تتحول الحالة السردية  إلى غناء أو بكاء أو رقص , أو كل هذا في وقت واحد , كما  في (توق الأرواح) , نعايش  فتنة  جو قصصي طفولي جميل,  يقول الكاتب : ( والله الواحد ليسلم بأن الروح دائما تتوق لأجساد أخرى,  فعلي الذي سمع بكاء الحليب في نهدي مارسا ,  مال برأسه على صدرها هكذا ,  وأغمض عينيه , ومارسا التي لم يتقوس ظهرها تحت رجل من باغت  الدرن صدر ناشد , جذبته إليها وبكت ,  فتقاطرت الدموع على شعره ,   وعندما رفع رأسه إليها قالت ..  أنفاسك طاهرة ياعلي ..  فقرب  مني شفتيك..  ) . 

 

 

كتابة الوكيل  فيها متعة وتقدم رؤية من أعماق الحارة ,   من حجراتها وشوارعها الصغيرة وسطوحها  , ومن أرواح مفتونة بالحياة  , وتتألم كثيرا بسبب ظروف متناقضة تحيط بحياتها ,   كما تقدم رؤية موسيقية في ثنايا سرد لغته لا تكتفي بالحكي  أو القص  , لكنها تحاور هذا الواقع وتدخل معه في علاقة إبداعية عالية  تحاول كشف مخبوء هذا الواقع ,  رؤية كأنها تستدرج هذا الواقع لكي يغني مأساته الجميلة وهواجسه النفسية المكبوتة .

 

 نقرأ : (ومع ذلك فهذا الولد غنى للقمر , والعيون السود , وبحور الهوى ,  كأولاد كثيرين , غير انه لايجيد الرقص كما يظن هو ,  أو كما ينبغي للرقص أن ينبه الطيور ) .

 

  لغة فيها موسيقى وإيحاء,  تتلمس غنى الروح , وترتفع بالمعاش إلى مستوى الحلم وتحاكي حواس الإنسان, ثم تروي لك بهدوء , عذابات ساكنة لا تبارح مكانا ألفته واعتبرته جزءا من روحها المعذبة بالأسئلة , حالات غناء  وحالات ضياع , وحالات فرح صامته , وحالات جنس خفيف تعبر عن تواصل إنساني حميم  مزين بشهوة الصمت الإنساني الرفيع . كل هذا سوف تلمسه  بروحك وذائقتك , جليا وصريحا , مثل عمود النار , وأنت تتجول في الحالات المسرودة  بهدوء فنان , للكاتب الخلاق سيد الوكيل ,  بدءا من أيام هند ,  ومرورا ب للروح غناها , ثم رواية فوق الحياة قليلا , وقصص مثل واحد أخرو رواية شارع بسادة.  

 

وحين تواصل السير في دروب هذا النص الهادئ والبسيط والعميق في آن واحد , ستكشف في  داخله ثورة حداثة  فنية ,  فيها مباغتة لأدق مشاعرنا,  وفيها صور تتلوا علينا سور البهجة والألم وأسئلتهما التي نحاول تجاهلها كثيرا , وربما هذا السرد المتجدد الخلاق لانعثر عليه كثيرا الآن , لكن هذه الحالات المسرودة تتحقق بلغة شاعرية الروح والهوى ,  لغة فيها سلاسة تبعد عنها شبة التكلف , لغة تعالج موضوعاتها السردية بروح فن حقيقية , لكن أيضا روح مهمومة ومتألمة, تحيل الصورة إلى واقع حي أمامك , واقع  مثير للأسئلة وللانتباه وللإعجاب  .  

 

 لهذا تتجاوز نصوص السرد عند سيد الوكيل , التقديم التقليدي الذي يحضر للمشهد السردي بوصف مكرر للزمان والمكان , لكنه يدخل بك في عمق اللحظة السردية المتوترة بسلاسة لغوية  فيها غناء وشجن , بقدر مافيها  من قدرة على كشف خبايا المشاعر وخبايا دوافع السلوك , كما تتجاوز هذه النصوص مجرد (المقدرة التعبيرية الجميلة ) الموجودة عند كثير من الكتاب والكاتبات العرب , وتصل إلى مرحلة الإبداع الفني المدفوع بمغامرة الفن وحدها ,  اللغة والرؤية المتجددة  للأشياء وللواقع اليومي  , لتستوي أدبا رفيعا , أدب سردي يقدم  صورا عالية الخيال لعالم يومي شديد الواقعية وشديد الكشف عن بؤس هذا الواقع ,  وبؤس وعينا , في التعامل مع الجسد كقيمة , وفي التعامل مع أسئلتنا السرية  المهملة  , لكن فيه اشياء ليذة مبثوثة  , مثل حميمية  العلاقة بين الناس في الحارة ورعشاتها العابرة : 

 

 يقول الراوي :(تغطى وجهها بطرحتها السوداء حتى لايراها الولد الذي باغتها بصوته الجديد في الأسبوع الفائت حتى أنها ابتسمت له وقالت : ـ أنت ابن سعاد ؟.. والله ماعرفتك . كبرت يا ولد وأخشن صوتك .هو أيضا ابتسم ، غير أنه لم يفعل شيئا سوى أن يمر من حجرة نومها إلى شرفتها ، ولم يقدر على أن ينظر في عينيها ويشوف رعشة عابرة .)

 

 

هنا منطقة الفنان سيد الوكيل , منطقة إبداعه الخاصة , صوته الخاص ,   منطقة تخاطب الروح و صوت يذهب بنا إلى حالات شديدة العمق في النفس البشرية , يذهب بنا ولا يعيدنا منها  إلا ونحن محملين بذلك الشجن الذي يذكرنا برائحة قديمة , لأماكن مررنا بها , ولا أحد  وسط لهاثنا اليومي و ركضنا  اليومي الاستهلاكي المادي والروحي ,  يستطيع أن يعيدنا لها , سوى مثل هذه النصوص المضيئة بمشاهد تظن لفرط جمالها أنها حياة حقيقية تحدث أمامك لحظة القراءة .  انه الشجن ال

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

شعر العامية .. الوطن وتجلياته

كتبها سيد الوكيل ، في 27 أغسطس 2009 الساعة: 13:31 م


 

صورة الوطن وتجلياتها

فى نماذج من شعر العامية


 

حملت البذورالأولى لشعر العامية فى مصر  ملامح هويته ، وحددت توجهاته بوصفه صوت العامة المجسد لمعاناتهم وأحلامهم وطموحاتهم الصغرى ، ومن ثم نجده معبراً عن أحوال الناس وواقع حياتهم اليومية وكاشفاً لأساليب الظلم والاستبداد التى تحيق بهم من قبل الحكام والسلاطين وتابعيهم من عسس ومماليك وجباة وغيرهم .

وهذا النزوع لتصوير ملابسات الحياة اليومية هو ماوسمه بطابع الحيوية والقبول بين الناس ، وعلى نحو فنى ، خلصه من أساليب الزخرفة والتوشية وحيل البلاغة اللغوية القديمة ، إلا ما كان للضرورة بغرض التورية على بعض المعانى الظاهرة التى تضعهم تحت المساءلة القانونية أو الدينية أو الأخلاقية  ، كما استفادوا من قدرة  التعبير الكنائى  الذى تلمح ولا تصرح ،أو التورية على نحو ما نجد فى قول النصير الحمامى فى هجاء أحد القضاه الظالمين المسمى محمد بن جماعة والمتوفى 330 هـ :

قاضى القضاة المقدسى                   صحب الأمور المطاعة (1)

سألته عن أبيه                          فقال لى ابن جماعة

فيمكننا ملاحظة التعريض بنسب القاضى إلى أبيه عبر استخدام الشاعر للتورية فى قوله ( ابن جماعة ) ، وهو قول يصل إلى السب والقذف الذى تقام له الحدود الشرعية لو صرح به .

 ومع ذلك ، فقد ظل المعنى مغلباً على أساليب القول الشعرى وفنونه فى الشعر المرتبط بالحياة اليومية والمعبر عن هموم الناس وشكاواهم ، بما يعنى أن شعر العامية فى مصر ، كان واعياً بدوره ورسالته النقدية والإصلاحية ، سواء توجه هذا النقد إلى الحكام والمسؤلين أو توجه إلى  المجتمع مباشرة على نحوما نجد فى القصيدة المشهورة بقصيدة أبى شادوف ، التى اتخذت من صورة الفلاح المصرى مناسبة لنقد مظاهر التخلف الحضارى وانحطاط أساليب العيش التى تشيع فى الريف المصرى ، وما يصاحبها من سلوكيات وجلافة الأخلاق ورثاثة المظهر وغير ذلك . ولا شك أن هذا النقد الموجه للفلاح  فيه تعريض يمكن ملاحظته إلى الحكام والمماليك والإقطاعين ملاك الأراضى والجباة الذين استعبدوا الفلاح وأرهقوه فانتهى إلى ماهو عليه .

 ويضع الشيخ الشربينى صاحب ( هز القحوف ) ، صورة واضحة لهذه المفارقة اللاهبة ، التى تعكس لنا حالة فقدان الوعى بالحقوق لدى الفلاحين نتيجة لتفشى الجهل والخوف  ، كما تعكس مكانة الفلاح المصرى زارع الأرض وراعيها الحقيقى ، وقد توارت وراء أنظمة القهر فيقول :

أبو شادوف من يومه مجعمص        شبيه الجرو يتنطط بقوة (2)

أبوه اليوم شيخ الكفر قاعد                 حدا الصراف وراسه جنب حدوة .

ولا يمكننا ـ فى الصورة السابقة ـ غض الطرف عن المفارقة المضمرة بين حال القرية وأهلها ، وحال أهل البندر الذين يمثلون مركزاً وقوة ، إلى درجة أن شيخ الكفر / القرية ، الذى يتمتع  بمكانة يفخر بها ابنه بين أهل الكفر ويتيه بها ، يجلس فى مذلة وانكسار بجوار حدوة فرس أحد العسس أو الجباة ( الصرافين ) .

ويبدو أن هذان الرافدان ،  نقد المجتمع ( الذات ) ، ونقد السلطة ( الآخر ) ، سارا جنباً إلى جنب طوال الوقت فى شعر العامية ، ويبدو هذا التلازم أكثر وضوحاً فى القالب الزجلى الذى اختص ـ تقريباً ـ بموضوعى النقد والسخرية ، وهى سخرية قد تصل إلى درجة كبيرة من الحدة كما رأينا فى وصف الحمامى للقاضى ابن جماعة ، وقد تمتد هذه السخرية لتشمل بعض المفاهيم والقيم الاجتماعية العليا التى تمثل القانون أو الأخلاق  أو الشرع على نحو  ما نجد عند شرف الدين الأسدى ( ت 738 هـ ) ، يعرض لحال الناس من عسر ساد فى عهده ، ويسخر من معنى تطبيق الشرائع والحدود الدينية فى حال كهذه ، حتى أنه يتهكم من أمكانية صوم رمضان فيقول :

رمضــان كلك فتــوة                 وصـح دينـك عليـه (3)

وأنا ذا الوقت معسر              واشتهى الإرفاق بيه

حتى تروى الأرض بالنيل             ويباع القرط بدرى

واعطيك الدرهم ثلاثة                   واصوم شهرين وما ادرى

وان طلبتنـى ذا الوقـت             فأنـا أثبـت عســـرى

فامتهل واربح ثوانى           لاتربحنى خطيه

وتخلينى أسقف                 طول نهارى للعشية

ويمكن ملاحظة أن هذا اللون من النقد الذى حملته قصيدة العامية المصرية ، كان يتناول صوراً ومواقف وحوادث وشخصيات وسلوكيات بعينها ، بما يعنى أن القصيدة كانت رهناً بالمناسبات العارضة ، وذلك باعتبار قصيدة العامية سريعة الاستجابة لعوارض الحياة اليومية على نحو مانجد من أبيات للسراج الوراق ، وكان أحد الحكام قد ضيق على الناس حتى أنه منع بيع اللحوم فى عيد الأضحى ، فقال السراج  الوراق ملمحا إلى حاله مستفيدا من اسمه( للتورية ) ومشيراً إلى ضياع بهجة العيد :

أجبت بعيد النحر من كان سائلى         عن الحال فى عيد وقد مر ذكره (4)

إذا بطل الجزار والعيد عيده              فلا تسأل الوراق فالعذر عذره .

كما تناول شعر العامية إلى جانب ذلك بعض الظواهر الاجتماعية التى تشيع أو تختفى مقترنة بظروف معينة كانتشار تناول المخدرات والخمور بين الناس ، أو تفشى الرذيلة والفحش . ولعل ارتباط شعر العامية بالمناسبات فى تناولاته لنقد المجتمع والسلطة الحاكمة ، كان نتيجة لغياب المعنى الكلى لفكرة الدولة بوصفها نظاماً ينهض على مجموعة من المقومات الجغرافية والقانونية والسياسية ، فمعانى مثل الدولة أو الوطن هى معان جديدة لم تعرفها المجتمعات العربية ولم يشعر بها العامة إلا مع نهاية حكم المماليك لمصر ومجيء الحملة الفرنسية ، وما واكبها من نمو للوعى الوطنى .

وقبل ذلك كان المعنى الكلى للدولة يختزل فى شخص الحاكم أو السلطان ، لكن هذا الاختزال لايخفى تراتبية هيراركية قد تبدأ من السلطان وتنتهى إلى شيخ البلد أوالكفر ، وما بينهما من وسطاء يلعبون إدواراً متفاوتة فى سلم القهر الواقع على العامة من فلاحين وأجراء وحرفيين بسطاء .

إن هذا الركام السلطوى وغياب شفافية الأنظمة الحاكمة عملا على تغييب الوعى الكلى وجعل الناس تنسحق تحت مقدرات حياتهم  ومتطلباتهم اليومية ، ومن ثم أصبحت رؤاهم للمظالم والمفاسد تمضى إلى حالات فردية غير مرتبطة بنسق الحكم ، بقدر ماتشير إلى مرتكبيها ، ومن ثم فمعان مثل الدولة أو الوطن غابت تماماً فى القصائد التى حملت طابع الاحتجاج على المفاسد والنقد لها ، حتى أن كثيراً من الإشارات التى تشير صراحة إلى اسم الدولة ( مصر ) ، كانت فى كثير من الأحيان لاتعود على العموم لحدود مصر الكبرى ، بقدر ماتعنى القاهرة أو مصر المحروسة ، ومع ذلك لانعدم إشارات حملتها قصيدة العامية توحى بعموم الخراب والفساد ببر        مصر.

 ولننظر إلى هذه الأبيات التى تصور مصر متاهة وغابة يضيع فيه أهلها فيما خلت من الأسود الذى تزود عنها ، ويمكن ملاحظة التطور الجمالى وأبعاد الصورة الكلية للقصيدة والإشارات الدالة والموحية التى تقترب بهذه القصيدة إلى معانى حديثة يمكن لشعر العامية أن يتناولها الآن :

مصر وادى تيه وصارت غاب    وسكنوا برج حوت رفعه (5)

وأماراتها الذين كانوا                 فى هنا من قبل ذى الوقعة

للملك خلان وهم غزلان       وأسود وأقمار طالعة

خفيت الاقمار من الابراج     وخلا المسكن من الخلان

وعن الغاب غابت الآساد      واقفر الوادى من الغزلان

 

والحقيقة أن هذا المعنى الذى يشير إلى حال مصر يعكس موقفاً سياسياً ناضجاً من الشاعر  بعدما أحل بها من خراب إثر الصراعات والحروب التى قامت بين اللماليك فى ربوع مصر ، ومن ثم تظهر مصر بوصفها كيانا يعبر عن عموم الدولة وليس عن حادثة أو واقعة عابرة ، غير أن هذا المعنى  الكلى لصورة مصر لم يغب تماماً عن الشعراء ، فقد أصبح واقعاً ملموساً عندما ارتبط بمعانى الوطنية والوطن التى حفزتها الحملات الاستعمارية الأوربية ولا سيما الحملة الفرنسية ثم الاحتلال الإنجليزى بحيث نجده واضحاً وناضجاً ومرادفاً لمفهوم الهوية المصرية عند عبد الله النديم الذى ارتبط شعره بمقاومة الاحتلال البريطانى . ويمكن ملاحظة أن هذا البعد الوطنى الذى حمله اسم مصر لايعنى توارى أو اختفاء هذا الاسم وراء مفردة أخرى ( الوطن) إلا فى وقت متأخر بعد انتشار معنى الوطن الكبير الذى يدل على عموم الوطن العربى أحيانا ، لكنه فى أكثر الأحيان يصبح مرادفاً لاسم مصر ، مثله مثل مرادفة أخرى ( البلد ) التى ترد   أحيانا  فى هذا السياق.

لكن تطور التجربة االفنية لشعر العامية ، ودرجات النضوج الجمالى والتقنى والأسلوبى لها ، وظهور مدخلات جمالية جديدة فى التعبير الشعرى مثل المعادل الموضوعى أو الرمز أو التصوير الفنى ، فضلاً عن تنوع الأداءات الإيقاعية والتعبيرية ،التى احتفت بها قصيدة العامية لمناسبة الغناء، كما نجد عند بيرم التونسى وبديع خيرى وغيرهما وصولاً إلى جاهين والأبنودى وسيد حجاب وما بعدهم .

 كل هذا أسهم بشكل كبير فى تطور صورة الوطن التى استفادت من طابع التشكيل والتنوع الدلالى والجمالى ، فلم يعد من الضرورى أن يشير الشاعر إلى اسم مصر أومفردة الوطن صراحة ، بل يمكن استنتاج أن حضور هذا المعنى ضالع فى كثير من قصائد العامية الجديدة ، مختبئاً وراء المجاز أو الرمز أو الكناية وغيرها من الأساليب الفنية  . كما نجد حضوراً خاصاً للوطن الأنثى ( أماً ومحبوبة ) وقد يشار إليها بلفظة ( البنت ) ، كما يحضر المواطن بوصفه ( الولد أو الفارس ) وهى مفردات شائعة الاستخدام فى قصيدة العامية الحديثة .

وسنسعى ـ هنا ـ إلى تناول صورة الوطن وتجلياتها المختلفة ، عند مجموعة من الشعراء ، المتقاربين فى خبراتهم الجمالية والفنية ، ودرجات وعيهم بالدور المؤثر لقصيدة العامية فى تنمية الوعى الجماهيرى ، وإحساسهم العميق بطابع الرسالة المنوط بهم حملها ، بوصفهم شعراء يحملون على كاهلهم هموم وأحلام هذا الوطن .

صحيح أن مثل هذه المعانى لاقت خفوتاً واضحاً فى قصيدة نثر العامية ، وكأنها انجرفت مع موجة الاستنكار للقضايا الكبرى والأحلام القومية والمعانى المؤدلجة ، التى تعتبر فى سياق آخر موقفاً سياسياً لدى فصيل من الشعراء ، كرد فعل للخيبات الكبرى التى منى بها الوطن فى فتراته الأخيرة .

ولعل هذا التوافق والتقارب بين مجموعة الشعراء الذين نتناولهم هنا ، والذين ينتمون ـ جميعاً ـ إلى بيئات ثقافية واجتماعية متقاربة تعانى انزياحات كبيرة من التهميش الاجتماعى ، وانتمائهم إلى فضاء إقليمى واحد ، يؤكد بروز التأثيرات المتبادلة بينهم ، وهى تأثيرات قد تكون موضوعية أو شكلانية ، غير أن هذا التوافق لايغمط حق كل منهم فى التمايز والاختلاف بدرجة ما عن غيره ، وهو ما تكشف عنه الدراسة التطبيقة ، ويمكن إجمال التأسيسات المركزية لصورة الوطن على النحو التالى :

1ـ التعبير الصريح : وحيث تكون الإشارة صريحة إلى مفردات مثل :      " البلد ـ مصر ـ الوطن " ، فضلا عن أسماء لمدن وقرى بعينها ، تسقط من الخاص إلى العام عبر المجاز المرسل .

2ـ المعنى الاستعارى : حيث يمكن للشاعر أن يستخدم بعض الأساليب الفنية والبلاغية التى تضمر معنى الوطن أو تدل عليه عبر :

·       التشخيص

·       التصوير الفنى

·       الكناية

·       الرمز

وسوف نعرض لقراءة ستة دواوين لشعراء من إقليم وسط وجنوب الصعيد ، كتبوا شعر العامية على اختلاف مستوياتهم وطرائق تعبيرهم ، وتباين درجات النضج الفنى فيها ، كل على انفراد بغية الحفاظ على خصوصية التجربة الشعرية لكل منهم وكشف رصيدها الفنى والجمالى ،  بحيث نوفر قدراً من الحياد والموضوعية التى يقتضيها البحث .

 

 

 

 

   الأحوال الطين في زمن الشياطين (6)

 

في البداية يصدّر العنوان قدراً كبيراً من المصارحة والمكاشفة بموضوع الديوان         ( الغرض الشعري ) ، ويرسم الحدود المميزة لخطاب الشاعر الذي يتوجه إلي أنواع من النقد الاجتماعي والسياسي ، ويمكن ملاحظة أن الديوان لم يقترب  ولو قليلا من مفهوم شعر العامية بمعناه الفني الحديث ، بقدر ما انغمس في الزجل ، ومن ثم فإن كل مقومات الزجل الجمالية والموضوعية تلح في الظهور وتأكيد نفسها عبر أساليب وطرائق مختلفة ، سواء في الحرص علي البناء العمودي ( الموزون المقفي ) ، فضلا عن طابع الارتجال والإطلاق الشعري علي البديهة ، وحيث تغيب دواعي التنقيح والتكثيف الشعري وتنزع الجملة إلي المباشرة والتقرير .

ومن ناحية أخري ، يغلب الطابع الانتقادي لصور من المجتمع وسلوكياته ، وهي صور لا تحمل بعدا استراتيجيا ، بل تلهث وراء الوقائع والظواهر لتتناولها بالنقد المباشر وتكشف مسالبها بنسب متفاوتة تعبر عن موقف الشاعر منها . وهو موقف شخصى ونسبى لغياب معنى الذات الجمعية الذى انتجته الحداثة الشعرية.

غير أن مجمل التجربة ، يوقفنا علي الصورة التي يصدرها الشاعر عن الوطن بوصفه مكانا لا فكرة ذات مغزى سياسى أو بعد قيمى أو معني شعوري انفعالي . ومن ثم نجد طابعاً محلياً ، كما نجد قدراً من وضوح الرؤية علي نحو ما تفصح عنه عناوين القصائد الداخلية : " النقد الاجتماعي ـ الزعامة والفساد ـ أنفلونزا الطيور ـ الحملة التموينية ـ أين العدالة ـ حكومة الأزمات ـ الإدارة الهندسية ـ العصابة المخفية ـ فوضى الأسواق ـ البطالة ) .

وهكذا ، فصورة الوطن موزعة بين الأغراض الشعرية المرتبطة بالمناسبات المختلفة ، ونتيجة لهذا النازع المحلي ، وغياب صورة كلية للوطن ، فإن مفردة الوطن لا ترد بنصها ، ويستعيض عنها الشاعر بمفردة البلد ، يقول الشاعر في قصيدة : " اللهم اجعله خيرا " :

يا أهل بلدنا الوضع خطير          إيه الأسباب قول يا كبير

معقول يبقي حرامي غفير          وإحنا وقعنا في أجوف بير

خير اللهم اجعله خير           خير اللهم اجعله خير

ويمكن تصور ( البلد ) مفردة بديلة لمصر ومرادفة لها ، بحيث ينسحب المعني النقدي علي مصر ، وهو المدى الأبعد الذي يحمله خطاب الشاعر ، بحيث لا ينسحب إلي المعني العام للوطن بوصفه فكرة قومية / الوطن العربى ، بما لا  يخرج

  القصيدة عن طابعها المحلي ، يقول في قصيدة ( البطالة ) التي يمكن أن تكون ظاهرة مصرية لا نجدها في المجتمع الخليجي مثلا :

بقيت في الخشم قوالة      عندينا يا خلي بطالة

إيه الأسباب متقولي         وبلدنا في أسوأ حالة

وفي قصيدة بعنوان : " الإصلاح والتغيير " التي يمكن ملاحظة أنها استجابة لدعاوى الإصلاح التي علت نبرتها في مصر في الفترة الأخيرة :

لازم نبني  الحريات          موقف ضد الظلم كسد

بالحرية نبني بلد                بالعبودية الخير ينهد

بضمير حي حنبني المجد             علشان تنهض أغلي بلد

ويمكن ملاحظة وعي الشاعر بضرورة الحرية كمعني أولي للإصلاح ، كما يمكن ملاحظة وعيه بأن مهمة الإصلاح ليست مجرد تغييرات قانونية أو دستورية بقدر ما تحتاج درجة من الوعي العام لدي الناس ، كما يمكن ملاحظة أن الإصلاح لا يحتاج لأكثر من تعميق عاطفة حب البلد لدى المواطن حتى يعود ـ هذا ـ  بالنفع على المواطن نفسه ، فيما لاتبرز ضرورة تغيير النظام أو السياسات التى تتشكل فى أفقها صورة البلد .

وأخيراً علينا ملاحظة غياب طاقة المجاز اللغوى ، ومع غيابها تغيب  الصورة الكلية التى تحدد ملامح الوطن ، فالوطن هنا مجرد البلد وعلى نحو مباشر ، فهو ليس معنى ولا رمزا ولا فكرة ولا كيانا كلياً مركباً فى مفاهيمة ، إنه ببساطة البلد .  

 

 

***

 

الجميزة (7)

 

صحيح أن  هذا الديوان يقترب بدرجة أكبر من مفهوم الشعر ، بقدر مفارقته لمفهوم الزجل علي نحو ما رأينا في الديوان السابق ، إلا أن مجمل تجربة الشاعر تتسم ببساطة التراكيب وسهولة اللغة وشحوب التكثيف الشعري ، ولعل هذا الاقتراب الشعري ، يمنح القصيدة درجة أعلي من التأويل ، حيث يطلق المعني في فضاء واسع ينأى عن المباشرة والتقريرية بدرجة تتفاوت من قصيدة لأخرى .

فقصيدة ( اخرس العدل ) التي تذكرنا بـ ( أين العدل ) في الديوان السابق ( الأحوال الطين .. ) تتخذ العدل موضوعا شعريا ، ولكنها لا تكرس نفسها تماما لفكرة الغرض الشعري القديمة ، بل هي تتخذ منه منطلقا لفكرة أوسع وأعم وهي فكرة الوطن ، يقول الشاعر :

والسوس بينخر من حواليك

وليد الأم المنهوبة

اضرب بجذورك بطن الأرض

تترج تفوق من الغيبوبة

ولعل هذا الاقتراب الشعري المميز لقصيدة العامية والذي يجعله مفارقا للزجل القديم ، هو المسئول عن هذا النزوع الاستعاري للقصيدة ، وفي المقابل نشعر بطابع المناجاة الشعرية الذي يتجسد في مخاطبة الذات بوصفها  ابنا للوطن الأم          ( يا وليد الأرض المنهوبة ) .

وفي هذا المعني يتجسد النازع الاستعاري ، الذي ينزع بدوره إلي التشخيص ، بحيث تصبح الأم مرادفا للوطن .

وهذا المستوى الاستعاري يتوسع علي نحو أكبر ويتداخل مع المستوى الرمزي في قصيدة ( الجميزة ) ، وفي هذه القصيدة يظهر النزوع الاحتفالي بالقرية بوصفها مجازا مرسلا يشير إلي الوطن / الأم أو الحبيبة . كما يتحول طابع المونولوج        ( المناجاة ) الذي وجدناه في القصيدة السابقة إلي ديالوج ، فيؤكد علي معنى التشخيص الذي نلاحظه في حوار قصير يدور بين الجميزة وابن البلد العائد إليها بعد غياب طويل :

بالحضن يا واد

والله ادورتي وجزعك زاد

كيف  حالك .. وأحوال الأولاد

كنت وكانوا

تحت الجميزة في بلدنا

كنا بنلعب كورة شراب

إن طاقة الشعرية تظهر بوضوح في كثافة التعبير  ( كنت وكانوا ) وتفتح الأفق الزمني ،حيث تستدعي ذكريات الطفولة ، مغموسة بمشاعر الحنين ( النوستالجيا ) ، وتعمق الرمز الذي تجسده الجميزة كمرادفة للقرية بوصفها نقطة إشارية هامة ، وهكذا تنفتح القصيدة بعد هذه الجملة ( كنت وكانوا ) علي أفق سردي يرصد ممارسات الطفولة ، حيث ملاعب الصبا الأول والوجوه ال

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

حوار عن الناس والوجود

كتبها سيد الوكيل ، في 7 يوليو 2009 الساعة: 10:16 ص


N حاورته : سولاف هلال- القاهرة

 

يحتفي الروائي «سيد الوكيل» بالإنسان عبر المكان في مجموعة علاقاته في آخر إصداراته الروائية التي شكلت علامة أخرى من علامات تميزه السردي. ورواية «شارع بسادة» رواية شائكة في بنائها الفني ولم تقم سرديتها على حبكة مألوفة كالتي تتصل مع الواقع مباشرة دون فلسفته ومساءلته ، إنما تقصدت الواقع وانتمت إليه لكنها افترقت عنه بمعطيات فنية كثيرة ؛ ولهذا لاقت هذه الرواية ما تستحقه من ثناء نقدي وإطراء نخبوي واضح المعالم . سيد الوكيل في هذا اللقاء يتماهى مع «شارع بسادة» ويتوغل في بعض جزئيات روايته واشتغالاته المعرفية عليها

 

 .  روايتك « شارع بسادة» تحيلنا إلى اسم مكان، ما هي علاقتك بالمكان على¡ مستوى الرواية ؟

 ـ المكان ليس معنى جغرافيا على الإطلاق ، هو مجموعة من العلاقات التي يكون الإنسان عنصرا رئيسا فيها ، وليس فى روايتي احتفاء بالمكان على نحو منعزل عن هذه العلاقات التي تنتج عبر الممارسات اليومية والطموحات الصغيرة لشخصيات تبدو مهمشة مثلما المكان ذاته ، وعندما تستطيع كائنات المكان أن تعبر عن نفسها فهي تمنح للمكان خصوصيته ، ومن ثم يبدو المكان بطلا على نحو مايشير له عنوان الرواية ، ولكن الحقيقة ، إن هذه البطولة ليست منحة إلهية لقطعة من أرضه ، بل هي منحة الإنسان ذاته ، لهذا لا أحب أن تقرأ روايتي على أنها رواية مكان ، فهذا طموح فقير وبسيط . أظنها معنية أكثر بالإنسان وأسئلته الوجودية التي لاتنتهى ، ومن بين هذه الأسئلة مساءلة المكان ذاته. صحيح أن للمكان في الرواية وجوداً حقيقياً في حياتي ، وقد عشت فيه فترة من عمري ، ولكنى لا أكتبه لكي احتفى به أو أخلده ، بل لأسئله وأبحث فيه عن ذاتي، باختصار، المكان هنا ليس موضوعا بل هو ذات مؤرقة محتشدة بالأسئلة والهزائم الصغيرةهذه الرواية تحتاج إلى تلق خاص وقارئ غير عادي ،

 

 ما الذي أرادت « شارع¡ بسادة « إيصاله في تركيبتها الفنية والنفسية ؟

 -       هذا سؤال صعب ، لأنني في الحقيقة لم تكن عندي رسالة واضحة للقارئ ، لقد كتبت هذه الرواية على مدى سنوات طويلة رغم صغر حجمها ، طوال هذه السنوات أعدت كتابتها عشرات المرات ، أنا شخصيا كنت مرتبكا ومجذوبا لكتابة هذه التجربة بشكل قدري فيه كثير من الهوس ، واظن أن السبب في ذلك أن عالمها لصيق بذاتي إلى درجة لا تمكنني من رؤيته واضحا ومستقلا ،ومن ثم يبدو الراوي هنا تمثيلا لي كمؤلف، فقد عشت في مرحلة من حياتي بهذا المكان محاطا بظروف بالغة القسوة ، كنت صبيا وحيدا مسكونا بحزن الملائكة وجنون الشياطين ، وفى مرحلة شائكة من حياتي وهى مرحلة تفتح الحواس وطرح الأسئلة البكر التي شكلت فيما بعد وعيي وحددت طريقتي في فهم الحياة والكتابة نفسها، والراوي صبى يعاني وهو موزع بين معايير ثقافية عن المقدس والمدنس فرضها المكان


-           

-          هناك أكثر من بعد في النص ولا يتكشف هذا الأمر من القراءة الأولى ،¡ لماذا تعمدت هذا الإرباك للقارئ ؟
         

-           - لم يكن لدي شيء واضح ، لهذا كانت الكتابة ـ نفسها ـ هي طريقتي في الفهم والمعرفة ، أو بمعنى آخر ، الكتابة هي صيغة للبحث ، وهذه طريقة للكتابة مختلفة عن طريقة الكاتب الذي يمتلك معارف يقينية يسعى إلى إبلاغ الناس بها ، ومن ثم تحتاج لقارئ مختلف ونوعي ، يقظ الحواس وليس مجرد متلق سلبي لما أقول ، فربما الارتباك الذي يشعر به القارئ مساو لارتباكي شخصيا تجاه الأسئلة التي تقلقني، لكن القارئ لن يشعر بالتعالي عليه أو بقصدية إرباكه ، لهذا اعتقد أنه سيحب العمل ويبذل بعض الجهد ويتحملني ، والقارئ مستعد أن يعانى قليلا إذا وجد في النص وعدا بمزيد من المتعة مع كل قراءة ، لأننا حين نمارس فعلا ممتعا نرغب في المزيد منه وسنقبل بعض المعاناة أو الألم في سبيل ذلك . إن اللذة التي يمنحها لنا النص أشبه بممارسة الجنس على حد تعبير رولان بارت ، لهذا نمارس مزيدا من لذة القراءة بحثا عن لحظة إشباع

 

- لماذا اقتصرت رؤيتك للمقدس والمدنس في الرواية على فكرة الجنس التي تحضر¡ بكثافة خلال العمل ؟

           

-           - لا اعتقد بأن هناك مسافة كبيرة بين المقدس والمدنس ، هذه المسافة هي نتاج ثقافي لكنها ليست موجودة في الحقيقة ، فعبر التاريخ اخترع البشر العديد من الثنائيات وانحازوا لبعضها ضد الآخر ، قدسوا الروح واحتقروا الجسد ، أحبوا الملائكة وكرهوا الشياطين، عظموا الرجل وهمشوا المرأة ، وفيما بعد صارت هذه الثنائيات وكأنها في صراع مع بعضها،مع أنهما في الأصل كانا شيئا واحدا ، فإبليس هو نفسه طاووس الملائكة، والشجرة المحرمة منحت آدم وحواء حقا مقدسا فكان لهما نسل عظيم يعمر الأرض ويعبد الله ويكون خليفته فيها، هكذا يولد المدنس من قلب المقدس والعكس صحيح . وهذه الآلية ، هي في الحقيقة إرادة إلهية ، لقد كان لدى الله ملائكة وشياطين ، ولكنه خلق الإنسان ليجمع بين النقيضين في خلق واحد وفضله على جميع ما خلق . والجنس هو التمثيل الأبرز لتماهي المقدس والمدنس، فهو الوسيلة التي اختارها الله لعملية الخلق لتكون دالا قويا على وجوده وقدراته ، ولكن الإنسان هو الكائن الوحيد الذى ارتقى بالجنس من الأداء الوظيفي لمجرد التناسل وحفظ النوع ،

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

رجل عدن

كتبها سيد الوكيل ، في 29 يونيو 2009 الساعة: 11:38 ص

كلارا خانيس تقع فى غواية رجل من عدن

 

كلارا خانيس مبدعة أسبانية مشهورة ، كتبت الشعر والسرد ، وترجمت أعمالها إلى العديد من اللغات ، صدر لها  عن دار سنابل رواية ( رجل عدن ) ، ترجمها طلعت شاهين ، وبمناسبة صدور الرواية كان قد استضافها أتيليه القاهرة ، فى لقاء حيوى مع عدد كبير من الأدباء والنقاد المصريين .

اللقاء أكد عمق علاقتها بالثقافة العربية ولا سيما فى مجالى التصوف والشعر ، تلك العلاقة التى بدأت عندما عُهد إليها بصياغة ترجمة أسبانية لرباعيات الخيام شعراً ، الأمر الذى منحها فرصة الإبحار العميق فى تجارب المتصوفين العرب من أمثال ابن الفارض وجلال الدين الرومى وابن عربى ، وعبر تلك الرحلة المعرفية اكتشفت ( كلارا خانيس ) عمق العلاقة المشتركة بين الثقافتين العربية والأسبانية ، بل اكتشفت أن الثقافة العربية تضرب بقوة فى جذور الثقافة الأسبانية ، فابن عربى لم يكن مجرد رجل مر من هنا فى زمن ما ، بقدر ما هو رجل اختار أن يرسى فى الأندلس ، يعيش على أرض أسبانيا ليترك روحه معلقة فى فضائها ، تلك الروح التى أضاءت تجربة ( كلارا ) ، كما أضاءت الثقافة الأسبانية لعدة قرون خلت ، ومن خلالها  قررت كلارا أن تعيد اكتشاف ذاتها ، أعنى الذات كمكون ثقافى بالدرجة الأولى ، لتتأكد أنها ليست خالصة الانتماء إلى الغرب وحضارته المادية المغرقة فى تفاصيل الحياة اليومية ، ثمة جذوة ما مضيئة فى الأعماق ، فقط تحتاج إلى إزالة تراكمات من الماضى القريب لتمسك بها .

فى الثقافة الشعبية الأسبانية ، ثمة نزوع إلى التجريد ، والتسامى ، والاعتداد بالروحانى والعميق الذى يخفق وراء كل تعبير حسى مما تحتفى به الحياة اليومية بحيث تحيله إلى طقس ، إنه ميراث أصيل انتهى إلى كلارا خانيس وشكل هويتها ، وتجلى على نحو خاص فى تجربتها الشعرية .

بدأت كلارا رحلة البحث عن جذورها العربية فى الشعر، ثم انتقلت بها إلى السرد ، ومن ثم تأتى روايتها ( رجل من عدن ) وكأنها أحد فصول هذه الرحلة .

استوحت كلارا روايتها من رحلة حقيقية قامت بها إلى اليمن ، عندما شاركت ـ ضمن وفد من المثقفين الأسبان ـ فى ملتقى الشعر العربى الأسبانى الأول ، ولم تكن روايتها ( رجل عدن ) التجربة الإبداعية الأولى لها مع الثقافة العربية ، فمن قبل قدمت ديوانها ( حجر النار ) الذى استلهمت فيه روح الأسطورة العربية العذرية ( مجنون ليلى ) ، فقد لفت انتباه كلارا أن قيس يمثل روح الحب المتمرد على واقع محكوم بقوانين ت

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

كلام الملائكة

كتبها سيد الوكيل ، في 29 يونيو 2009 الساعة: 11:11 ص

N

كلام الملائكة

 

عندما مات يحيي حقي  ، كان قد ترك لنا ثمانية وعشرين عملاً ، وهو رقم غير كبير بالنسبة لحياة طويلة لأديب متفجر الموهبة ومثقف متعدد الاتجاهات والثقافات ، تعكس كتاباته هذا التعدد الذي نادراً مل يتوفر لكاتب ، فغير الذي كتبه في الرواية والقصة القصيرة والنقد الأدبي ، كتب المقال والخاطرة القصصية والصورة القلمية ، كما كتب في الموسيقي والعمارة والفن التشكيلي والكاريكاتير والفنون الشعبية ، والسياسية وأدب الرحالات والتاريخ والمسرح والسينما والشعر واللغة العربية والسيرة الذاتية فضلاً عن كتاباته التي تستعصي علي التصنيف لكنها عاشت مثل كائن منفرد ، وتظل تمتعنا وتدهشنا فتغفر لها مروقهاعلي التصنيف وتمردها علي ذائقة التدجين النقدي ، من هذه الأعمال ( كناسة الدكان ) الذي أعيد طباعته غير مرة آخرها النسخة التي أصدرتها جريدة القاهرة .

والحقيقة أن ظاهرة المثقف الموسوعي المتعدد المواهب الذي يكتب في أكثر من مجال كانت شائعة في هذا العصر ، الذي تجاور فيه نمطين من المثقفين : الموسوعي / العام علي نحو ما يجسده نموذج عباس محمود العقاد والأكاديمي المتخصص علي نحو ما يمثله طه حسين ، وإذا كان النموذج الأخير يعبر عن نزوع حداثي عقلاني يتخذ من المناهجية العلمية شرطاً مقيداً للحدس والانطباع ، كما يتخذ من المصطلح شرطاً مقيداً لانطلاقات التعبير الشعري وشطحات الخيال ، فإن النموذج الأول ظل بمثابة الضمير الإنساني والروح التي تبعث الدفء  في الوجود لئلا تنمط أساليب التفكير والتعبير الإنساني تحت أقبية الأكاديميات ، وكان يحيى حقي أحد أهم مثقفي هذا الاتجاه الذي لم يتبق منه الكثير الآن ، فمازال يتواري خجلاً أمام المنطق العلمي ، ولعل هذا الخجل قيد كثيراً من انطلاقات التفكير النقدي عند يحيى حقي ، وما أفلت من هذه القيودات مازال يدهشنا علي نحو ما جسده كتابه ( فجر القصة المصرية ) الذي مازال مرجعاً هاما لنقاد ومؤرخى الأدب ، إذ تجد بين السطور تلميحات ومقولات نقدية غاية في الأهمية ويكفي أن نعرف إن يحيي حقي أول من طرح سؤالاً نقدياً عن وظيفة الفن في عصره .

لقد كان يحيي حقي لا يحب أ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الرواية بوصفها أداة قياس

كتبها سيد الوكيل ، في 23 مايو 2009 الساعة: 00:24 ص



كتب : هشام آدم

الرواية بوصفها  أداة قياس

 

 

هشام آدم روائى وناقد سودانى يقول :


إن من أكبر الأخطاء التي يقع فيها كثير من الأدباء، عدم تفريقهم بين الأجناس الأدبية، وأصبح من الواضح أن دور النقد في هذه المرحلة، والمراحل المقبلة هو معالجة هذا الخطأ الفادح الذي يُصيب الحركة الأدبية والكتابة الإبداعية في مقتل؛ إذ أنّ خللاً مثل هذا، من شأنه أن يفتح الباب على مصراعيه لمزيد من غريب الأجناس –تحت دعوى الحداثة- إلى الأدب، وعملها على تقويض دعائمه، كما هو الحال الآن لكل من جنسي: التداعي الحر، والخاطرة الأدبية القائمين على الاسترسال الوجداني، ومخاطبة الذات في المقام الأول منفصلين بذلك عن المجتمع والآخر، ومنظومة القيم السلطوية، ومنعزلة عن الأهداف الأساسية للأدب وللكتابة الإبداعية، والتي سوف يأتي الكلام عنها لاحقاً في هذا المقال.

ومن بين الأخطاء الأكثر شيوعاً في الأوساط الأدبية قاطبة، إدراج فن القصة القصيرة ضمن قائمة الأجناس الأدبية، وهو الأمر الذي يجعلنا نُعيد النظر في فهمنا لهذا الجنس الأدبي، ومعرفة أصوله وجذوره الأولى.

ويهمني في المقام الأول أن أؤكد على حداثة الفن السردي في مقابل الفن الشعري الضارب في الجذور، فيما يتعلّق بتاريخ الأدب العربي، وجميعنا يعرف ما للشعر من مكانة في الأدب العربي القديم، وكيف أنه كان يُمثل كافة الفنون والألوان الأدبية المعروفة الآن من: قصة، ورواية، وسيرة، وتأريخ، بينما اقتصر الأدب السردي في ذلك الوقت على الخطابة، والتي لم تخل –هي كذلك- من النفس الشعري المتمثل في: الطباق والجناس، والألوان والمحسنات اللغوية المتأثرة بالشعر؛ بل إنه لم تكد تخل خطبة قط من قصيدة شعرية سواء في متنها أو في ذيلها.

"يا أيها الناس اسمعوا وعوا، وإذا وعيتم فانتفعوا؛ إنه من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، مطر ونبات، وأرزاق وأقوات، وآباء وأمهات، وأحياء وأموات، جمع وأشتات، وآيات وأرض ذات رتاج, وبحار ذات أمواج، ما لي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون، أرضوا بالمقام فأقاموا، أم تركوا هناك فناموا، أقسم قس قسماً لا حانث فيه ولا آثماً إن لله ديناً هو أحب إليه من دينكم الذي أنتم عليه، ونبياً قد حان حينه، وأظلكم أوانه، فطوبى لمن آمن به فهداه, وويل لمن خالفه وعصاه (…) تباً لأرباب الغفلة من الأمم الخالية، والقرون الماضية، يا معشر إياد أين الآباء والأجداد، وأين ثمود وعاد، وأين الفراعنة الشداد، أين من بنى وشيد، وزخرف، ونجد، وغره المال والولد، أين من بغى وطغى، وجمع فأوعى، وقال أنا ربكم الأعلى، ألم يكونوا أكثر منكم أموالاً، وأطول منكم آجالاً، وأبعد منكم آمالاً، طحنهم الثرى بكلكله، ومزقهم بتطاوله؛ فتلك عظامهم بالية، وبيوتهم خاوية، عمرتها الذئاب العاوية، كلا بل هو الله الواحد المعبود، ليس والد ولا مولود.
فـي الذاهبين الأولين من القرون لـنـا بصائر ** ورأيت قومي نحوها تمضي الأصاغر والأكابر
لا يرجع الماضي إلي ولا من الباقـين غابـر ** أيقنت أنـي لا محـالـة حـيـث صار القـوم صائر"
"
من خطبة قس بن ساعدة الإيادي- البيان والتبين للجاحظ"

وللتفريق بين فن القصة (الحكاية)، وبين الرواية والتي تنقسم بدورها إلى رواية قصيرة، ورواية طويلة؛ فإنه من الضروري أن نعرف أن هذا التفريق لا يتأتى إلا بمعرفة أغراض هذا اللون الأدبي، لاسيما إذا عرفنا أن تناول هذه الأغراض الآن لا يُمكن أن يكون بمنأى عن والثورات النقدية الكبرى التي قامت في أوربا وتأثر بها الأدب العربي بالمقابل.

ففي حين يقوم هدف القصة أو الحكاية على التسلية واستخلاص العبر، تتجاوز الرواية هذين الهدفين إلى أبعد من ذلك، فالرواية تتناول المجتمع والذات بالنقد والتقويم والتحليل، كما تعمل على التبصير بحركة التاريخ، وتبسيط هذه الحركة في قالب فني أدبي، له اشتراطاته التي حددتها مساعي الحركات والمقولات النقدية المجتهدة والمرتكزة على أُسس فلسفية في المقام الأول، وفي حين تكتفي القصة أو الحكاية بمجرّد التسلية والتلميح بالعبرة، فإن الرواية ترفض أن يكون الفن أو الأدب أداة وعظية، ولا يجدر بالروائي أو الأديب أن يكون واعظاً كذلك.

(… َمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (الأعراف:176)
(
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ) (يوسف:3)
(
فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (القصص:25)

إذن؛ فالقصة والحكاية هما جنس أدبي واحد، يهدفان في الأصل –كما أشارت الآيات- إلى التذكير والتنبيه والوعظ، ولا تحمل القصة في ثناياها أيّ جانب فلسفي أو عمق معرفي بالمعنى الذي تناولته المقولات النقدية. ولقد كان لفن القصة -بهذا المفهوم- شأنه وأهدافه في تاريخ الأدب العربي القديم، أيّ منذ عصور المشافهة. وكانت العرب تأنس بالحكايا والقصص، ولم تخل مجالسهم من ذكرها، فكانت تُقال للتسلية كذلك، فخرج كتاب "ألف ليلة وليلة"، وعندما بدأت حركة النقل والتجربة، اهتم العرب بترجمة القصص، فتُرجمت "كليلة ودمنة" عن الأدب الهندي القديم.

وعلى هذا فإننا نرى أنّ القصة -القائمة في أساسها على ثقافة المشافهة- قد اندرست، وانقرضت من قرون طويلة، ولم يعد استخدام اسم "قصة" على الجنس الأدبي المعروف الآن لائقاً أو صحيحاً، لأن أغراض السرد تغيّرت منذ حركات الحداثة الأولى، والتي قامت في أوربا وتأثر بها الأدب العربي الحديث، وأعلنت انتهى عهد المشافهة. ومن المعلوم أن هذه الحركات النقدية استصحبت معها المقولات الفلسفية وتطوراتها وأفادت منها كثيراً، ويُصبح الكلام عن القصة في إطار الوعظ في عصر هذا ضرباً من الكلام عن التراث.

وفي كلام العرب لن نجد للرواية ذكراً على النحو المتعارف عليه الآن، لأن فن الرواية فن حديث، ولكن تستخدم العرب الرواية للدلالة على القول والنقل بالمشافهة، فتقول العرب: روى الحديث، وروى الشعر؛ بينما جاء في مختار الصحاح باب (س.ر.د) "فلان يَسْرُد الحديث إذا كان جيد السياق له"؛ إذن فالعرب لم تفرّق قديماً بين الحكاية والقصة، بل اعتبروها جنساً واحداً داخلاً في السرد فقط من أجل التفريق بينه وبين الشعر.

إن ما نعرفه اليوم بالقصة القصيرة ما هو إلا رواية قصيرة، لأن فن الرواية يُعتبر الابن الشرعي والوحيد لمجمل الحركات النقدية الحداثوية، فهو يتناول الحياة في مجملها، والإنسان كأحد عناصرها الأساسية، ويُعبّر عن موقفه منها، ويُحلل ويناقش القضايا المصيرية والوجودية بشيء من العمق، كما تتناول الرواية الجوانب الإنسانية الوجدانية ولكن ليس بمنعزل عن حركة الحياة والمجتمع، إذن فهو يتناول الإنسان كفرد داخل المجموعة، وليس كما تتناوله القصة (الحكاية) كفرد خارجاً عن المجموعة.

لا شيء يُدعى "قصة"، ومن يُريد إيجاد هذا الجنس الأدبي عليه أن يبحث في التراث العربي القديم، حيث الحكايات التي تتناول التسلية والوعظ والإرشاد، وتدير صراعات القيم الدنيا بلا وعي وتفتقر إلى العمق الفلسفي المطلوب، ولكن ما يُعرف الآن با

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي