Yahoo!

هامش على زمن الرواية

كتبهاسيد الوكيل ، في 7 مايو 2008 الساعة: 23:11 م

هامش على زمن الرواية

( التجربة النسوية )

 

الآن ، وحتى إشعار آخر ، لا توجد مقولة أكثر مركزية وعمومية من :” زمن الرواية ” ، ونتيجة للتمرير العفوى، وغياب الاختبار النقدى الجاد للمنتج الروائى المصرى ، من حيث ندرة الكتب والدراسات التطبيقية ، فإنه يمكن ملاحظة ، أن المقولة تعيش فى أفق نظرى بحت ، وتختبر فى كل مرة عبر سياقات شفاهية فى الندوات التى تنظم على نحو احتفالى بكل إصدار روائى جديد ، وفى أفضل الأحوال ، تأتى المتابعات الإعلامية التى تردد المقولة على نحو مفرط ، لتؤكدها بقين ، وكأننا بمجرد النطق بها ، فإن معنى واضحاً يستقيم فى وعينا عن زمن الرواية .من غير أن ننتبه ، إلى أن هذا التداول والشيوع البدهى ، يضع المقولة فى أفق من الالتباس والغموض . فالأشياء المعرفة بالبديهة، لا تقل غموضاً عن الأشياء غير المعرفة أصلاً . فنحن لاننتبه إلى التركيب المجازى الخلاب للمقولة ، التى تجعلها خفيفة على اللسان والذهن كأى مسلمة ، بحيث لا نعطى أنفسنا فرصة اختبار حدودية الزمن المقصود هنا وشروطه الثقافية . فنطريا يمكن استخدام نفس المقولة فى أى زمن آخر غير الزمن الذى نعيش ، بمعنى أنه ، يمكن لها أن تمتد إلى أزمنة مستقبلية .

إنها مقولة تعكس ذهنية بنيوية عظيمة ، انتهت من تصنيف الحراك الأدبى ، ونظمه على نحوهرمى ، بحيث توضع الرواية على قمته . وهكذا ، فبعد أن يقطع العالم شوطاً فى تفكيك المقولات المركزية تعود بنا المقولة إلى اختزال الحراك الأدبى فى معنى بسيط ووحيد .

وزمن الرواية كأى مصطلح مهيمن ـ وفقاً لدريدا ـ يعتمد على تعريف فرعي أو أصطلاح تابع وداعم له ، بمعنى أن المصطلح المهيمن يكتسب مكانته من علاقته بهذا التعريف الفرعي أو المهمش ، ومن ثم فإن مقولة مثل زمن الرواية ، تضمر معنى آخر ، أنه ليس زمن القصة القصيرة ـ مادمنا نحتكم إلى النوع ـ أوإنه ليس زمن الشعر ، على نحو مضمر يشى به قولنا : إن الرواية هى ديوان العرب . وهوقول يوحى بأن الرواية العربية قطعت شوطاً بعيداً يضعها على خريطة الأدب العالمى ، وهوزعم يعوزه الدليل . فزمن الرواية العربية ، وحتى الآن ، لم ينتج مشروعاً جمالياً يماثل أو يقارب رواية أمريكا اللاتينية مثلا  .أو مشروع الراواية الأوربية الحديثة الذى حدد ملامحة فى السبعينيات من القرن الماضى منطلقاً من حبكات بوليسية بسيطة إلى أفق معرفى واسع ومعقد على نحو ما تمثل له روايات : ” شرف كارنينا بلوم ـ العطر ( قصة قاتل ) ـ اسم الوردة ـ شيفرة دافنشى ، ثم أسمى  احمر وثلج لأورهان باموق وغيرها .. ” .

وثمة مفارقة ، فخلال ما نتحدث عنه بوصفه زمن الرواية العربية ، فإن التمثيل البازغ  له ـ عالميا ـ يأتى من زمن سابق على زمننا هذا ، وأعنى به رواية عمارة يعقوبيان التى اعتمدت مشروعاً جمالياً لايختلف  ناقادان ـ وليس هذا حكما بالقيمة يخرجها من الصفة  الجمالية ـ على أنه ينتمى لمرحلة تم تجاوزها واستهلاكها فى الماضى .ولسنا بصدد الطعن فى رواية حازت اهتماما ًملفتاً ، غير أن هذا الاكتساح القادم من الخلف ، يعنى أحد أمرين :

ـ إما أن ما نتحدث عنه بوصفه زمناً للرواية العربية هوكيان هش قابل للتداعى

ـ إما أننا نفتقد إلى معيار دقيق قادر على تسمية زمننا هذا .

والأمر الثانى هو الأقرب لتصورى ، ليس من قبيل التفاؤل ، بل لأن الرصيد الروائى العربى شاهد على تطوره وتجلياته عبر الأجيال المتعاقبة بما يستحيل تجاهله، وبما يعنى أنه يتحرك وفق سيرورة متنامية غير مطمئنة ، وهذه الصفة ( عدم الاطمئنان ) هى ما تعطيه دافعية الوجود  والاستمرار . أما هذا الاطمئنان لزمن الرواية ، فشواهده شفهية وإعلامية بالدرجة الأولى ، فضلا عن النشاط التسويقى لبعض دور النشر . يحدث هذا فى غياب حراك نقدى حقيقى يختبر المقولات والمصكوكات التى احتشدت بها حياتنا الأدبية ، والتى تظهر كمرادفات لزمن الرواية ، من قبيل : رواية التسعينيات أو الرواية الجديدة .

وقد يكون من المناسب ، النظر للأمر على  أن الرواية العربية تبحث عن هويتها أو عن مشروعها الذى يميزها فى عالم  يتعاطى السرد على نطاق واسع ، متسم بالتعدد الثقافى والتنوع  الوسائطى ، فالسرد لم يعد شأنا أدبيا خالصاً ، وكأننا نعيش زمن السرد فعلا ، وهو تعريف  يخلصنا من حاكمية النوع ، والتراتبية الهيراركية التى نجدها فى مقولة ( زمن الرواية )، بحيث يمكّننا من النظر إلى مدخولات سردية جديدة ، ليس فقط فى الأنواع الأدبية والفنية القديمة كالشعر والقصة بطبيعة الحال ، بل  وفى صناعات إبداعية جديدة كالسينما والفيلم الوثائقى والفديو كليب وبرامج الجرافيك التى تنهض على محاكاة الواقع المعاش بآخر افتراضى وتدخل فى برامج التعليم والتدريب لقطاعات عملية واسعة .

 ولعل هذا الانفجار التقنى للسرد له شواهده فى السرد التقليدى . من حيث تقاطعه مع السرديات الكبرى أو المؤسسة تاريخياً ، والتى أبرزها مؤسسة النوع التى نهضت على معنى ذكورى ، حيث يمكن ملاحظة الحضور الفذ للمرأة فى هذه الصناعات الإبداعية الجديدة ، بما يشير إلى أن زمن السرد الذى نقصده هنا ، يضمر زمنا آخر هو زمن النساء .

ولسنا بصدد الكلام عن الحركات النسوية وقدر استفادتها من السرد الجديد ، بقصد خلخلة المركزيات السردية القديمة التى تأسست على هيراركية الأنواع . وكنا ، وفى مناسبة سابقة * ، أشرنا إلى الثورة التقنية التى حملتها القصة القصيرة وسربتها إلى الرواية . فالقصة  القصيرة بمثابة  معمل الطاقة الذى يغذى الرواية ويمنحها تلك العافية التى نشهدها الآن ، وكأن الأسد ليس سوى مجموعة خراف مهضومة . إن هذه الإشارة لازمة إذا ما أردنا تحليل الخطاب الروائى المعاصر ، وحتى لاننسى ـ  تماما ـ دور القصة القصيرة فى صخب الاحتفال بزمن الرواية .

 غير أنه ـ ونحن بصدد الكلام عن السرد الروائى ـ لايمكننا تجاهل هذا الحضور المزدهى للرواية النسوية فى المشهد الروائى العربى ، وهو حضور لم يكتف بالتمثيل المشرف للمراة ، بل ينقلها من الهامش إلى المتن ، من حيث قدره  الخطاب الروائى النسوى على خلخلة كثيراً من المركزيات البنائية المعتمدة قبلاً فى مفهوم النوع الأدبى ، وضلوعه فى ضرب البنيات الرأسية والمؤسسة فى التاريخ الثقافي ، والنيل من  شرطى الفحولة والاكتمال الذكورى ، فضلا عن الاحتفاء بما هو ذاتى وشخصى ، والاعتداد بالخبرات الخاصة  / النوعية التى كان ينظر إليها من قبل على سبيل العادى*  ومخاتلة السموق اللغوى بنبرات الارتجال العفوى والتقريرة اليومية . وغير ذلك من المدخولات التى مررتها كتابات النساء ، وأصبحت ـ فى حد ذاتها ـ علامة على تطور الرواية التى نكتبها الآن بغض النظر عن جنس كاتبها .

وإذا كانت الكاتبات  دأبن على تناول التجارب التى تعبر عن نمط الخبرات النسائية الخاصة بما يمكنهن من التعبير عن أنفسهن ، وبما يدخل سردهن فى أنماط من التعبير الشعرى ، كما نجد فى روايتى : الأراولا وسحر التركواز لكل من ( منى الشيمى ومى خالد) ، فضلا عن  نزوعات البوح والاعتراف والتسجيلات اليومية والسيرة الذاتية كما نجد فى روايتى : الحكى فوق مكعبات الرخام ويوميات امراة مشعة لكل من ( نهى محمود ونعمات البحيرى )  ، فهذا لايعنى عزوف الكاتبات عن تناول التجارب العامة التى بدت تمثيلاً  حصريا للكيان الذكورى ، كالمجتمعات العسكرية ، ومجالات العمل ، وتجارب السفر إلى الخارج ، والممارسات الدينية والطقوسية ذات الأداء الذكورى كحلقات الذكر ، وحيث يكون للمرأة فى مثل هذه المجتمعات دور التابع ليس إلا ، أو على حد وصف ( بام موريس )(1) إن النساء اللاتى شاركن فى اعتصامات الطلاب بفرنسا 1968 ، وتمكّن من إسقاط حكومة ديجول ، أصبن بصدمة كبيرة من زملائهم الرجال ، عندما بدا الأمر بعد ذلك ، أن الرجال هم الذين كتبوا البيانات ، وغالباً ما أدركوا النساء على أنهن اللاتى يصنعن الشاى .

ومن الطريف أن تتناول الكاتبة ( هويدا صالح ) فى روايتها عمرة الدار ، تجربة التصوف ، وهى تجربة ممهورة بطقوس ذكورية تتناسب مع طابعى القداسة والطهر الذى منحته الثقافة الدينية الشعبية  للرجال وحجبته عن النساء بوصفهن ناقصات عقل ودين . مع العلم ، أن التاريخ يسجل رابعة العدوية نموذجاً لأول تجربة تصوف فى التاريخ العربى الإسلامى ، ومغزى اقتحام    ( هويدا صالح )  لهذه التجربة ، هو فضح طهرانية هذا العالم ، وحيث تكون النساء هن أول ضحاياة أو بمعنى آخر ، هن الشهيدات الحقيقات لهذا العشق الإلهى .

 وفى سياق آخر تتناول عزة بدر تجربة السفر للخارج ، التى مازالت محاطة بقوانين تحد من حرية المرأة فى السفر بوصفها تابعا لزوجها ، فضلا ً عن أن بعض المجتمعات العربية الرديكالية مازالت تشترط على المرأة اصطحاب محرم ، وهكذا تتجاوز كتابات النساء حدود التعبير عن الذات ، لتبدأ الضرب فى عمق الموروث الذكورى ، وفى أعتى مؤسساته .

***

 

 

 

عمرة الدار (2)dsc062

 

عمرة الدار رواية تعيد للأذهان عصر الروايات الكبرى من حيث الامتداد الزمني الذي يتحرك فيه السرد بما يكسبها طابعاً يقف بين الملحمية وما نسميه برواية الأجيال . صحيح أن كاتبتها ( هويدا صالح ) ، اختارت قرية صغيرة من قري صعيد مصر مسرحا رئيسا لأحداثها إلا أننا لا نستطيع  أن نقول إنها كتبت  رواية عن  المكان ، علي الرغم من الحضور القوي لبيئة القرية         ( الثقافية والاجتماعية والطبيعية )  ، مع العلم أن مجالات البيئة ، هى فى حد ذاتها  هدف فى الكاتبات النسوية على نحو ما تكشف عه الدراسات البيئية النسوية ( Ecofeminism ) ، وعلامة على دخول النظريات النسوية ـ فى التسعينيات من القرن الماضى ـ  لمرحلة جديدة تسعى لاستعادة التوازن الطبيعى لعالم  على شفير الاحتراق ، من جراء الممارسات الذكورية المتمثلة فى سياسات القوة  والتفعيل العسكرى لها ، ومركزية رأس المال الاحتكارى النهم الذى يتجلى فى التعديات الصارخة على البيئة  من تلوث مناخى ، وتدمير للغابات الطبيعية ، التى أصبحت فى النسوية الأيكولوجية تمثيلا للطبيعة البرية للمرأة ، وتذكيراً بحضورها القديم كإلهة للخصوبة ، بما يصور اغتصاب الطبيعة رمزاً للاغتصاب التاريخى للمرأة الذى تم فى الأساطير القديمة ، عندما انتزع ( مردوخ ) من ( تيامة ) حق الخلق ، وجعله من الفم بدلا من الفرج .(3)  

غير أن رواية عمرة الدار ، لاتغامر باقتحام هذا التركيب الثقافى المعقد لمفهوم البيئة لدى النسويات ، بل تقف عند حدود التصوير السردى لحياة أسرة عادية تتشابه مع آلاف الأسر في قرى مصر إلا أنها تمثل ـ فى نهاية الأمر ـ رؤية نسوية ، لمجتمع تقليدى ،  يظهر فى أحد جوانبه متناغماً مع الموروث الثقافى الشعبى لمجتمع الرجال ، ومن الجانب الآخر متعاطفاً مع  الطبيعة سواء فى معناها المباشر ، أو فى معناها الرمزى ( المرأة ) .

، وفى داخل نسيج بسيط ، هو النسيج الاجتماعى لقرية من قرى صعيد مصر ، تشغل هويدا صالح نسيجها السردى ، عبرتفاصيل الحياة اليومية ، بحيث تضعها في أفق عجائبي  ، فحيوات الأشخاص ـ في هذه الأسرة ـ غير أنها  لا تجعلهم  منفصلين عن  واقعهم  اليومي  المعتاد ، فهم ليسوا أبطالا خارقين كشخصيات الملاحم الذين يغلب عليهم طابع  التمرد ، بل هي جميعا  شخصيات متصالحة تماما مع بيئتها ، تدخل بنعومة وقوة في النسيج الاجتماعي والثقافي والديني للقرية ، وهو دخول يجعلها في قلب الحياة ، بحيث ينتفي المعني التهميشي الذي يراهن عليه كتاب الرواية الاجتماعية حين يصورون القرية  مجتمعاً  هامشياً إذا ماقورن بمركزية المدينة . وعلى العكس من ذلك ، فهويدا صالح لاتنبهر بنموذج المدينة الذى يمكن اعتباره تمثيلاً لمركزية الرجل ، بل هى لا ترفضه أيضا، بقدر ماتسعى إلى تأكيد حضور النموذج الآخر / القرية / الهامش / الطبيعة / الأنثى ،بالتجاور ، وحيث لايكون الفارق بينهما فى الدرجة ، بقدر ما هى ضرورة الاختلاف .  

إن هذا التركيب الخاص والمثير للدهشة والمتعة معا  للأسرة الريفية فى هذه الرواية ، يقف بها  ـ طوال الوقت  ـ في موقف بيني ، بما يفتح الأفق الجمالي والدلالي للرواية إلي آخره ، وهي تتنقل بين أجيال هذه الأسرة جيلا بعد جيل لتؤكد العمق الزمنى للأحداث  ، حتى بدت هذه الأسرة  قريبة الشبه من أسرة   ( أورليانو ) في رائعة ماركيز ( مائة عام من العزلة )  من حيث تشابه أفرادها في الخطوط الرئيسة والصورة العامة فيما بينهم ، في حين تحتفظ كل شخصية بتفردها بفضل التفاصيل الدقيقة والحية التي تنجح الكاتبة  في حشدها، وهي تفاصيل لا تخرج عن المألوف في واقع الحياة اليومية ، ومن ثم ، فالرواية تشير بقوة إلي معني صوفي عميق حول فكرة وحدة الوجود التي تشبه أصابع اليد الواحدة  من حيث تجاور الكائنات وأهمية دور كل منها فى حفظ التوازن النوعى والبيئى . فعلي ما في شخصيات الرواية من تشابه وتكامل إلا أن كل منها متفرد بذاته تماما . هكذا بدت أسرة الشيخ صالح فى رواية عمرة الدار.

لعل هذا المعني البيني والفلسفي ( وحدة الوجود ) كان دائما فيما وراء النص ، بحيث وجه الذات الساردة ـ طول الوقت ـ للعمل علي تحقيقه ، ومن ثم سبحت الرواية في نسق جمالي ودلالي خاص يجعلها متفردة علي الرغم من لحظات التناص والتماس  الكثيرة مع روايات أخرى كتبت علي هذه الكيفية ، وسبب ذلك إن الرواية  انشغلت طوال الوقت بالإنسان ذاته ، وطبيعة علاقته مع الوجود والواجد في آن واحد . إنها فلسفة الخلق التي جسدها الصوفيون في فكرة الحضرة ، فالحضرة هي اللحظة الزمنية التي تسمح بارتقاء الروح إلي الملأ الأعلى ، والحضرة هي سبيل التجلي للذات الإلهية .

الرواية تبدو لي كما لو كانت حضرة ممتدة في الزمن . فشخصياتها تعيش حالات متباينة من الكشف ، وترتقي مقامات ومنازل ، وتمضي في تحولات ومكابدات ، وحالات من العشق الذي يشبه الجذب الصوفي ، لكنه متباين فى حالات من الوصل والهجر كل بما قدر له ، وكل يرضي بما قدر له ، بل ويفني ذاته ليحظى برضا المحبوب  . ولذلك فالقارئ يجد في الرواية طاقة إيمانية وجدانية مشبعة ، أظنها المسئولة عن حالة الإشباع النفسي والذهني وربما الجسدي ، أو علي نحو ما يسميها رولان بارت ( لذة النص ) فلهذا النص لذة خاصة تجعلك تغض الطرف عن الهنات الفنية التي تعبر به أحيانا ، وربما تجعلك لا تلح علي رسالة النص نفسه ، أو معانيه التي يطرحها ، أو رصيده التقني من التجريب الروائي ، أو موقفه الفكري من الحداثة والأصالة ، إنه كما قلت ، حالة حضرة إذا آمنت بها ودخلتها صرت جزءا منها ، وفزت بالوصل الجميل فلا تسألن عن السبب .

ظني أن هذه الرواية كتبت بعفوية شديدة وكأن صاحبتها مدفوعة بطاقة خفية للحكي ، كما لو كانت مجذوبة له ، فالكاتبة هويدا صالح ، قدمت مجموعتها القصصية الأولي ( سكر نبات ) في منتصف التسعينات ، وكانت واعدة مبشرة بين بنات جيلها من الكاتبات ، لكنها فجأة اختفت من المشهد الأدبي ، وصامت عن الكتابة قرابة عشر سنوات وهذه حالة معتادة لدي الكاتبات العربيات ، اللاتي يغبن عن المشهد لانهماكهن في تفاصيل الحياة الأسرية كزوجات وأمهات ، ثم يعدن ، إما في لحظة تمرد خاطفة ، وإما في لحظة تزول فيها أسباب الانهماك ويخف عبء الدور الأسري ـ الذي يقع عادة علي عاتق المرأة ـ  وهو عود ليس بالضرورة حميد ، فسنوات الصوم قد تكون عاملا لتجفيف منابع الإبداع  في الذات ، أو علي الأقل تجميدها بحيث إذا عادت وكأنما تبدأ من  جديد ، وقد تكون سنوات الصوم نوعا من العمل في اللاشعور علي اختزان طاقة الإبداع التي تتشكل عبر ممارسات الحياة اليومية ، وتأملها وتجويدها وصقلها ذاتيا علي نحو ما يختزن النحل الرحيق ليخرجه شهدا .

 ومن حسن الحظ لم تكن هويدا صالح بعيدة طوال السنوات العشر عن الإبداع ، فهي زوجة الروائي المعروف سعيد نوح ، الذي بدأ معها مشوار الكتابة ، ولكنه قدم لنا خلال هذه السنوات أربع روايات رائعات آخرها رواية  ” 61 شارع زين الدين ” التي صدرت قبل شهور عن دار الهلال .

معني ذلك أن أزمة المرأة الكاتبة في علاقتها مع مجتمعها أزمة عميقة ، حتى لدي الكاتبات المتزوجات من كتاب مستنيرين ومؤمنين بحق المرأة في المشاركة الثقافية لأنها ـ في الواقع ـ تعبر عن موقف ثقافي وضع حدودا لدور المرأة ، وجعل أولوياته في دورها زوجة وأماً ، وكأنها ليست ذاتا مستقلة بقدر ما هي وظيفة اجتماعية .

وهذا المعني يظهر بوضوح في رواية عمرة الدار ، وتعبر عنه أكثر شخصيات الرواية من النساء اللاتي ينغمسن في الدور الاجتماعي بحالة من الإنهماك التلقائى ، كما لو أنهن يتوارثن هذا الدور جيلا بعد جيل ، فيما  نجد الرجال منغمسين في عالمهم الصوفي المتسامى ، فرب الأسرة  ( الشيخ صالح ) أحد رجال الصوفية ، يستطيع أن يحقق توازنا بين دوره في خدمة أهل الله ودوره في رعاية قيم  أسرته ، في حين تقوم زوجته ( الحاجة دولت ) بعبء الدور الاجتماعي ومشاغل الحياة اليومية ،أو على حد تعبير ( بام موريس ) إنها التى تصنع الشاى لرجال الحضرة .تفعل ذلك  وهي مدعمة بدرجة عميقة من الإيمان بمهام الزوج الدينية المقدسة . فهي تدعمه وكأنها في نفس الوقت تثبت دورها الاجتماعي ، وعندما يموت الزوج ، فإن ابنه ( عمر )   يتولى مهامه كاملة ، فيما تتولي زوجته ( صباح ) دور الحاجة دولت بعد موتها أيضا ، وفى بيئة مثل بيئة هذه الرواية ، حيث يكون الإنسان القروى أكثر إحساساً بروح الطبيعة ، فضلا عن الفضاء الصوفى الذى تعيشه الشخصيات ، فإن معنى القمع الذكورى قد لايكون واضحاً على نحوما نجده فى المجتمعات المركزية / المدينة مثلا ، غير أن ميراث التهميش للمرأة ينتج فى مثل هذه البيئات ، يتراكم على مهل فى سياق من التقاليد والعادات والإيمان المطلق بالغيبيات.  

وعنوان الرواية ( عمرة الدار ) يجسد  رغبة هذه البيئة فى رسم دور المرأة  ، فعمرة الدار في الموروث الشعبي هي جنية طيبة تسكن البيت ، وتعمل علي رعايته وحمايته ، ولا شيء يثير غضبها إلا أن يعتدي أحد علي أبنائها الذين يظهرون في صورة قطاط تجوب الدار ليلا  .. إن عمرة الدار مهمتها الأولي حماية أولادها لكنها لاتنجح فى تحقيق هذه المهمة ، إلا عبر القيام بمهمة أخرى هى حماية الدارالتى تسكنها وكأن حمايتها لأسرة الشيخ صالح ، هى فى نفس الوقت حماية لها  . بما يعنى أن المرأة تستمد شرعية وجودها من خلال الالتزام بالدور الأسرى ، كهامش وحيد ممنوح لها .

 وعمرة الدار / الجنية / المرأة ، يمكنها أن تقدم كثيراً من الدعم لسكان الدار ، إذا التزم كل من فيها  بدوره ، أما إذا فكر أحدهم التعدي علي مملكتها ، فإنها سوف تعاقبه بقوة ، وهكذا ، فعلي الجميع أن يتعايش في سلام ، كل بما يمتلكه من حقوق وإمكانات وبما يسند إليه من أدوار .

 ولعل هذا قد  يفسر حالة السلام الروحي التي تشيع في الرواية . غير أن الرواية تظهر جانبا كبيراً من المسكوت عنه فى حيوات نساء هذه البيئة ، حيث قدمت نماذج لعدد من النساء يعانين فى صمت ، من غير اجتراء على التمرد ، باسثناء شخصية وحيدة وهى ( الفريسة ـ تصغير الفرسة) التى يضطر زوجها إلى ضربها ليلجمها ، أما باقى نساء الدار ، فيضطررن إلى التحايل والمكر النسوى لاستعادة جانباً من حقوقهن ، على نحو ما نجد لدى (فايزة ) زوجة (النضر) وهو أحد أبناء هذه الأسرة  ، الذى جاءته  الإشاره بالزواج من ابنة شيخه الشابة ، لقد أضفى النضر على زواجه طابعا مقدسا ألجم الزوجة التى تربت على احترام الإشارات والأوامر الغيبية ، غير أنها تتحايل حتى تستعيد زوجها ، وهو تحايل لايدخلها فى نمط صراعى مع الزوج أو الزوجة الشابة ، بقدر ما يعكس إيمانها بعدالة قضيتها من ناحية ، وحرصها على استمرار مؤسستها الخاصة ، أو الدار ، وهكذا يحقق عنوان الرواية دوره على أكثر من مستوى دلالى .

 

 

فى ثوب غزالة(4)

 

بطبيعة الحال ، فـإن نصيب المرأة المبدعة من كتابة تجربة السفر قليل ومحدود ، ومع ذلك ، يمكن أن نرصد عدداً من الأعمال الروائية لكاتبات من النساء أكسبن هذه التجربة طعماً جديداً ومتميزاً ، بل وبدت أعمالهن أكثر اقتراباً من واقع المجتمعات التى تناولنها ، وأكثر قدرة على فهم ثقافتها وتقاليدها وملابسات حياتها اليومية مما كتبه الرجال . ربما لأن الطبيعة تجعل المرأة أكثر انشغالاً بالتفاصيل وأكثر قدرة على ملاحظة مفردات الحياة اليومية وأكثر عناية بالحراك الاجتماعى والطبائع الإنسانية . ومن ناحية أخرى ، فإن العالم المغلق للمرأة العربية ، وهو العالم الأكثر قدرة على تجسيد التأثيرات الثقافية للمجتمع . يصعب اختراقه والاقتراب منه بالنسبة للرجال فيما يمكن للمرأة دخوله.

فبطلة رواية ( فى ثوب غزالة ) لعزة بدر ، فتاة مصرية متعلمة تحظى بقدر كبير من الثقافة ، كان عليها ـ وفق سياقات اقتصادية ومجتمعية مستحدثة ـ  أن تزف من مطار القاهرة لتلحق بزوجها الشاب الذي يعمل فى السعودية ، إن صورة المرأة التابع تطل علينا منذ البداية ، وهى إشارة لاغتراب تاريخى عانته المرأة فى المنظومة الثقافية ، غير أن هذا الاغتراب القائم أصلاًً ، لا يعفيها من مواجهة أشكال الاغتراب الجديدة التى لحقت بمجتمعها ، ونعنى بها ظاهرة الهجرة إلى دول النفط ، وهو اغتراب مسؤل عنه الرجل بوصفة مسؤلاً عن الوضعية الاقتصادية للمرأة التابع وفق سياسات الحكم الجنسى على نحو ماجسدته ( نورا ) بطلة بيت الدمية لأبسن ،أما بطلة ( فى ثوب غزالة ) فكانت قد  بدأت رحلة اغتراب اجتماعي مركبة ، عندما يتحتم عليها أن تخلع ثوب الفتاة ، لترتدي ثوباً أكثر تعقيداً ، هو ثوب الزوجة والأم ، بكل أبعاده الاجتماعية والثقافية ، غير أن السفر دفعها إلى أن  تبدأ هذه التجربة  فى مجتمع لا تشعر أنها جزء منه ، بما يعنى تغيراً فى مسرح الأحداث الذي ستبدأ عليه حياتها الجديدة ، ومن ثم تتغير كل قواعد اللعبة ، فالفتاة التى تتحول إلى زوجة وأم  ، تقوم بهذا الدور الاجتماعي عبر موروث ثقافي وخبرات مخزونة يباركها المجتمع ويدعمها لتقوم به على أكمل وجه ، وعندما تجد بطلة  ( فى ثوب غزالة ) نفسها فى عزلة عن أى محيط اجتماعي يعينها على حياتها الجديدة ، تدخل حالة من العزلة ، والرفض لوجودها هنا ، حتى أن جسدها يرفض الحمل ،بما يعنى اغترابا جديدا عن جسدها كأنثى ، لكن مشاعر الأمومة والأنوثة تدفعها إلى أن تبدأ فى مراجعة تجربتها كذات عالقة فى التاريخ ، ثم  كامرأة  مصرية ، وتقارنها بتجربة المرأة السعودية ، كما لو كانت تبحث لنفسها عن مبرر أو سبب يفسر ماهى فيه  : ” النساء هنا لم تصل إليهن ثورة 1919 ، لم يتخرجن من مدرسة السنية ، لم يجتمعن فى بيت الأمة، لم يهتفن فى المظاهرات ، ماحملن بذور ثورة تصبح شجرة … حتى لسن كنساء لوحات محمود سعيد ، حيث البرقع مجرد زينة لا كاتماً للأنفاس “.(5)

إنها تدرك ذاتها تارخياً على نحو يميزها عن نساء الخباء ، فهى حاملة لبذور ثورة ، يمكنها أن تصبح شجرة ـ على حد تعبيرها ـ لو قامت على رعايتها ، ومن ثم تدرك أن خلاصها كامن فى المعنى الثقافى ، إذ عليها أولاً ، أن تستكمل دراستها للماجستير التى كانت قد قطعتها بسبب السفر ، ولأنها باحثة فى التاريخ الاجتماعى على وجه التحديد ، فإن هذا سيعينها على الوقوف على العلامات الفارقة فى تجربة المرأة بين الهنا والهناك ، ونتيجة لذلك أنها تتفهم خصوصية كل تجربة ، بما يعنى استعدادها لقبول هذا الاختلاف واحترامه .

 فنجد لدى بطلة ( فى ثوب غزالة ) سعياً إلى تفهم الخصوصيات الثقافية للمجتمع الذى عليها أن تعيش فيه على الرغم من إدراكها لخصوصية تجربتها ، تقول معبرة عن رغبتها فى امتلاك معرفة كاملة بهذا المجتمع : ” على أى حال …هنا ، أو فى بلاد واق الواق ، لابد أن أعيش ، سأصنع عالمى .. لن يردنى عن المعرفة سبب ، لن يردنى حجاب ” (6).

لقد تفتق ذهنها عن حيلة لاختراق حواجز الاغتراب والعزلة التى ضربتها  تقاليد المجتمع السعودى من ناحية ، وباركها زوجها بحجة أنه يخشى عليها من السعوديين الرجال بما يعكس تبادل المخاوف ، إذ كان عليها أن تستهلك الوقت البطيء لحين عودة زوجها من عمله مكدوداً غير قادر على فتح عينيه .

كانت حيلتها أن تنطلق إلى مكتبة الجامعة القريبة لتحصل على بعض المراجع التى تعينها على استكمال بحثها ، وهناك ، نجحت فى التعرف على طالبات وموظفات سعوديات ، وبهذه الطريقة ، نجحت ـ فى نفس الوقت الذى تكسر فيه عزلتها ـ أن تزرع نفسها شجرة مصرية  فى قلب المجتمع النسوى السعودى ، مستفيدة من دراستها لعلم الاجتماع .

 لهذا فهى تبدو منسجمة مع ذاتها ، حين  تحتفى برصد مظاهر ثقافية سعودية عديدة ، تلمسها داخل بيوت السعوديات عندما تشاركهن فى حفلاتهن ومناسباتهن. وتقف ـ عن قرب ـ على مشاكلهن حتى العاطفية منها . ومع الوقت تصبح صديقة لكثيرات من السعوديات ، بل وتتدخل لحل مشكلة عاطفية بين زوجين انفصلاً ، ويتعين عليها أن تلتقى بالزوج فى مكان عام لتنقل له وجهة نظر طليقته ، لكن الزوج يبدأ فى مغازلتها هى من منطلق شائع أن المرأة المصرية التى جاءت من مجتمع أكثر انفتاحاً لابد أن تكون سهلة المنال . هكذا تدرك أن الذهنية الذكورية هى التى تحدد صورة المرأة سواء فى مجتمعها أو المجتمع السعودى . والرجل يتعامل معها على أساس من تلك الصورة التى تدخل فى موروثاته الثقافية دونما اعتبار لما تكون عليه حقيقة المرأة . هكذا  تفهم بطلتنا ، أن المرأة هنا ، كما هى فى كل المجتمعات العربية ، تعانى من وجودها المستمر تحت اختبارات ذكورية قاسية ، ومن ثم  يبدو انحيازها للمرأة السعودية ، هو انحياز لذاتها فى نفس الوقت .

   لكن حدثاً فارقاً يقع ليجسد ذروة القمع الذكوري الواقع على النساء ، عندما شب حريق فى بيت الطالبات السعوديات ، راح ضحيته عدد من صديقاتها اللآتى منعن من الهروب من الجحيم سافرات الوجوه وبملابس النوم، تنفيذا لأوامر المطوعين بوصفهم ممثلين للدين . تصور عزة بدر مشهد احتراق النساء السعوديات على نحو مرعب ومخيف ، ولكنه كاشف للبون الشاسع بين تجربتى المرأتين ( المصرية والسعودية ) . 

 هذا الحدث ، وإن أدخلها فى حالة من الرعب والاكتئاب إلا أنه يزيد من عمق إحساسها بمأساة المرأة العربية عموماً والسعودية خصوصاً ، ومن ثم تدرك أن اغتراب المرأة الحقيقى هو اغتراب ثقافى ، كما أن الفروق بين وضعيات النساء فى مجتمعاتهن تكمن فى المعنى الثقافى لكل مجتمع . لهذا تصر بطلة الرواية ، على أن تندمج فى النسيج الثقافى للمرأة السعودية . ومن ناحية أخرى ، تصبح أكثر يقينا ، بأن تجربة التحرر الثقافى التى بدأتها المرأة المصرية من مدرسة السنية هى البذرة الأولى للشجرة ، أو الخطوة الأولى الصحيحة نحو طريق طويل لتحرير المرأة من نوازع الاغتراب التاريخى ، ومن ثم تحرير ذاتها ( بطلة الرواية ) كأنثى .

إن حادث محرقة النساء ، نقطة تحول هامة ، ليس فقط فى البناء الدرامى لللأحداث ، بل فى البناء الثقافى لبطلة الرواية ، ففى نفس الوقت ، ومن خلال الرسائل التى تتبادلها مع أستاذها والمشرف على رسالتها العلمية ( د. نزيهة )  ، تكتشف خواء وزيف هذا الرجل  المثقف الكبير ، الذى يمثل فى نفس الوقت رمزاً للسموق الأكاديمى والعقل العلمى المؤسس على أفكار بربجماتية تعد تمثيلاً ذكوريا ـ فى نفس الوقت ـ فجاً لخطاب الحداثة الملتبس بمعانى الاستعلائية الأوربية ، بوصفه نموذجاً للترتيب الهيراركى للعالم على أساس من مركزية ثقافية تبدأ بأوربا ، ثم تنطوى على مركزية النوع التى تبدأ بالرجل الأبيض .

إن هذا المعنى المركب ، يظهر فى علاقة الدكتور نزيه ، بـ (كلود) المشرفة الإدارية على المنحة الأمريكية التى حصل عليها الدكتور نزيه لإقامة مركز أبحاثه الاجتماعية والثقافية  ، فبرغم أن نزيه هو مدير المركز ، وكلود مجرد سكرتيرة له، إلا أنها تمارس استعلاءاً جنسيا عليه ، عندما تصر على أن ينام تحتها لحظة ممارسة الجنس معها. رغم كراهيته لهذه الطريقة فى ممارسة الجنس .بما يشير أن نازع الاستعلاء الجنسى فى النظرة الغربية للشرق على نحو ما جسدها الطيب صالح فى موسم الهجرة إلى الشمال ، وهو استعلاء يضع الشرق برمته فى الهامش النسائى بالنسبة إلى الغرب .

أما التحول الثانى الذى حدث لبطلة ( فى ثوب غزالة ) ، فهو رغبتها فى اختبار الثقافة الدينية عن قرب ، ويأتى هذا كرد فعل  لعلمانية الدكتور نزيه المفرطة من ناحية ، ومن الأخرى ، كرد فعل للتشدد الدينى الذى انتهى بمحرقة النساء ، ومن ثم تخوض تجربة الحج  ، حيث تتلاشى الفوارق الاجتماعية والجنسية ويصير الكل فى واحد ، فيعكس ذلك معنيين :

 الأول تطهير روحها من من الاغتراب عبر رحلة غمرتها بالسلام ، عندما ذابت بين حشود النساء والرجال المسلمات فى الطواف حول الكعبة .

والمعنى الثانى : تطهيرالثقافة الدينية ـ نفسها ـ بعد أن أشعلت النار فى بيت الطالبات . إن النار تظهر فى أحد مستوياتها رمزاً للتطهير ، وكأننا نحتاج إلى ثورة تصحيح تاريخة نحرق فيها كل أنظمة القهر .

 ولا غرابة ـ بعد التطهير ـ أن يكتمل حمل بطلة الرواية ، وكأننا إزاء بشارة بميلاد جديد . كما تكتمل حلقة اندماجها مع المرأة السعودية ، كعلامة على توحد المصير النسوى فى الثقافة العربية ، من خلال مشهد دال ، وهو المشهد الذى منح الرواية اسمها ،  حيث أعدت صديقاتها السعوديات حفلاً خاصاً ، يستدعى من تراث سعودي ، محتشد بطقوس وتقاليد سعودية خالصة ، وهو أشبه بالحفل التنكري ، وفيه ألبسنها ثوب الغزالة ، وعلى دقات موسيقى وغناء سعودي ، راحت ترقص بينهن  وتغنى ، رقصات وأغان سعودية وجدت فيها عذوبة وجمالاً لم تكن تتوقعه ، ليصبح هذا المشهد المرسوم ببراعة ، تدشينا لتحالف نسوى ينهض على ثقافة جديدة ، تحترم خصوصية المرأة ، وإعلاناً صريحاً لتجاوز كل حواجز الاغتراب المكانى والنفسى لدى بطلة الرواية ، فالغزالة هى المعنى البرى  للمرأة العربية ، والتمثيل الجمالى لها على نحو ما جسدته الثقافة العربية عبر تراثها الشعرى . إنها هى ذلك الكيان الجميل المغوى بالقنص .                         

 الأراولا(7)

 

نرمين امرأة موزعة بين سياقين ، سياق ثقافى مدجج  بقيمه ومعارفه وفرضياته التى سطرت نفسها فى التاريخ ، وسياق اجتماعى مفكك مهزوم بتقاطعات الآخرين ، الذين يتركوننا أمام أبواب مغلقة ، تسلم بعضها البعض ، وعلينا أن نجرب فى كل مرة ، وأن نتحمل مسؤلية اختياراتنا ، ثم نعيش هزائمنا وحدنا ،هكذا بدت نرمين امرأة وحيدة فى عالم يضج بالآخرين .396ima

نرمين هى بطلة رواية ( الأراولا ) لمنى الشيمى ، تطرح أسئلتها على السياقين ، تختبرهما ، لذلك فهى موزعة بين الذات / الأنثى والآخر / الرجل ، لكنها لاترغب فى محاكمة الآخر بقدر ماترغب فى  اختباره ، ومن ثم تعرية كل شيئ يقع فى محيط حياتها ، ربما تجد مساحة من الدفء تحتويها ، تستر عريها وتهدهد روحاً أنهكتها حروب الآخرين ، نرمين تقول: ( كنت ـ أحياناً ـ أزج بنفسى فى قصص لاتقربني من رغباتى ، فدخلت مع جيفارا يوماً إلى بوليفيا ، اختبأت بسلاحى خلف الأكشاك المعدة للسكنى ، حاربت معه أعداءه، فلم أشعر بلذة ، فانضممت لهم وحاربته ، ولكنى فى النهاية خرجت من الغلاف الأخير للكتاب كما دخلت من غلافه الأول ، خالية الوفاض إلا من الإنهاك والعرق .. ) .(8)

نرمين بطلة رواية ( الأراولا ) ، تعيش تجربتها بنفسها ، وحيدة بلا أقنعة ثقافية أو اجتماعية من صنع الأخرين ، تعيشها  كامرأة بلا زينة أو مكياج أو رتوش تعمق إحساسها بالاغتراب ، هذا الاغتراب المرسوم لها قبلاً بوصفها أنثى ، فكلمة أنثى فى النهاية ليست سوى جسد ، مجرد صورة  تذكر الرجال بفحولتهم ، لهذا فنرمين لاتسعى إلى تأكيد وجودها كجسد إلا باعتبار الجسد صورة الذات ونافذتها على الآخرين ، وحيث يصبح للجسد حرمة وخصوصية فهو ليس هبة مجانية ممنوحة للرجال الطيبين ، لهذا فالراواية لاتحتفى بالجسد ذلك الاحتفاء الجنسى الذى نجده فى بعض الروايات النسائية الأخيرة ، كما إنها ليست غارقة فى لجة من الوجدانيات المدجنة التى تنهض ـ أحيانا ـ كوصفات كتابية مجربة ومضمونة ، الرواية تبحث لنفسها عن موقع متفرد يميزها بين كثير من روايات النساء ، وأظنها نجحت بامتياز .

نرمين ذات مبعثرة ، متشظية ، وموزعة بين هراءات تاريخية لاتنتهى ، ولا تكف عن تجديد نفسها ، لهذا فهى لاتعيش لحظة مكتملة ولا تندمج فى السياقات الكلية ، إنها دائما معلقة فى الهواء ، لكن هذا الوضع لم يعد يعوقها أو يعطلها ، ستجرب الهزائم الصغيرة ثم تنهض وتبدأ من جديد ، الآن أصبحت أكثر مهارة وقدرة على قراءة مابين السطور ، المسكوت عنه ، هكذا تعيش التجربة وتمتلك خبراتها حتى تتمكن من مجاراة الآخرين فى ألاعيبهم ، تثقب رؤسهم لتعرف مايفكرون فيه ، نوع من الحدس النسوى الذى يسميه البعض الحاسة السادسة ، تجعلها بمجرد النظر فى عيون أحدهم تعرف فيما يفكر ، تفهم ماذا تقول لمسات الأصابع عند المصافحات العابرة ، هذه الخبرة النسوية التى تنضج النساء ، وتجعل المرأة قادرة على مواجهة واقعها ، ومن ثم تسمية ذاتها  على نحو يخرجها من الهامش ويجعلها قادرة على العناية بنفسها ، بل ويعزز وجودها كذات رائية وقادرة على تبين موقعها ،  عندما تختبر أدوار الرجال المحيطين بها  . فهذا ( ملهم ) فقد إيمانه بالعالم ، ذات متشظية غير قادرة على الدخول فى تجربة عاطفية ناضجة . لماذا عليها أن تقوم بدور إيزيس وتلملم شتاته ؟ هو لايملك غير رصيد هائل من الكلمات التى ينفقها على آذان النساء ببذخ ، يمكنه أن يحتوى جسدها ، ولكنه لايستطيع أن يذهب لأبعد من ذلك .

هذا (باسم ) أمره مختلف . يستطيع أن يقترب أكثر ، لكنه مثقل دائماً بتاريخ ليس له . تركته أمه وحيداً ، فاعتاد الهزيمة . يريد أن يحتمى بها من هزيمته ، لكن هزائمه تلاحقه . فى كل مرة يقسم لها أنه سيفارق صديقة البوذى الشاذ ، يجلس تحت ركبتيها ويبكى كطفل يطلب الصفح من أمه ، ثم لايلبث أن يعود .

الأرولا .. زهرة قوية ، تستطيع أن تعيش رغم قسوة الظروف المحيطة بها ، لهذا أصبحت دالاً علي (نرمين) بطلة الرواية بما يمنحها قوة الرمز .

 الرواية  تقاسمت السرد بين ثلاثة أصوات ، صوت نرمين / الرواية ، وبطلة الرواية فى نفس الوقت ، وصوتين آخرين هما ( ملهم و باسم ) . أما بؤرة السرد فكانت دائما لنرمين ، فضلا عن امتلاكها لمساحات واسعة وحرة من التعبير عن نفسها  ،  بل نجد نرمين هى محور السرد ، حتى عندما يكون  علي لسان ملهم أو باسم ، لهذا ، فإن سيرة حياة ( نرمين) لا تدخل فى نسق سردى واحد أو متكامل ، بل تتوزع على الأصوات الثلاثة ، ثم أنها تتوزع على أزمنة عديدة  ولكنها ليست عميقة ، فنحن لا نعرف شيئاً عن طفولة نرمين ، و لاتعود بنا الرواية لأكثر من الأفكار القريبة والعابرة ، ولا تستغرقنا بعيداً عن الممارسات اليومية لحياة ( نرمين) التى نجدها منذ الصفحة الأولى على أحد المقاهى ، مكان عام لا يمنحها دفئاً وأمنأ ، الرواية كلها تمضى من مكان إلى لآخر، لكنها أشبه بالأماكن العابرة مثل المقاهى والشقق المفروشة  والموتيلات ومكاتب العمل ، وعلاقات التواصل بين الشخصيات رهن بهذه الأماكن ، أنهم ثلة من الأصدقاء الذين نسمع أصواتهم على المقاهى وعبر الهواتف وعلى شبكات الانترنت ، ولكننا لا نرى وجوهم ، لهذا فإن فعل السرد ـ بوصفه فعلاً مقاوماً للتشظى ـ  يعكس محاولة لاسترداد الوعى بالذات ، وإعادة لململة الملامح المتشظية ، ولحم الصدوعات المتشعبة فى الروح ، فالرواية تحتشد بكثير من التفاصيل الصغيرة لحياة نيرمين ، بل وتتوقف عند المكونات الثقافية التى اكتسبتها عبر القراءة ، فتحضر أصوات خافتة لشكسبير وكارل ماركس وفرجيينا والف وجيفارا وشارلوت برونى .

والرواية تعكس خبرة نسائية وذكاء فطرى إلى جانب بعدها الثقافى ، ولكنها لا تستجدى حكايات النساء عن أجسادهن ، ولا تمعن فى الممارسات النسوية الخالصة لتضمن لنفسها مكاناً بين روايات النساء ، إنها ـ فقط ـ تقف عند مجرد الهجس الفنى بواقع جديد  ، يعيشه جيل من الكاتبات ، يحتاج لقراء متأنية .

 98299

 

يوميات امرأة مشعة(10)

 

 ( نزلتُ ، وسرت فى ردهات مركز الأورام متجاهلة أننى أنا ” نعمات البحيرى ” بلحمها ودمها ، زاعمة أننى شخص آخر خارج دائرة الورم الخبيث ، يرى الأطفال المرضى المحمرة  أحمراراً مصفراً ، ورؤوسهم الخالية من الشعر من آثار العلاج الكيماوى )(11) .

أنت هنا فى قلب أكبر مركز لعلاج الأورام فى مصر ، تنتقل من زحام وسط القاهرة الخانق الزاعق ، إلى صمت مبنى يشبه فى تصميمه مركبة فضائية كبرى ، هكذا تصفه لنا نعمات البحيرى وهى تمشى متساندة بين صديقتيها ( هالة البدرى وسهام بيومى ) ، علينا بداية أن نلاحظ غياب الرجال من المشهد إنه تساند نسوى  ، ثم علينا بعد ذلك ملاحظة ، واقعية التجربة المكتوبة ، حيث استطاعت نعمات البحيرى بوصفها امرأة تخوض تجربة ألم خاصة بالنساء  نتيجة ورم ثديى ، أن تكتب فى سياق اليوميات تفاصيل تلك التجربة ، إن خصوصية تجربة الألم هنا ، تبدو كما لوكانت أفدح تلك الضرائب التى يدفعها جسد المرأة لقاء خصوصيته ، وهو المعرض ـ طوال الوقت ـ لانتهاكات عديدة . وكأن تريخ المراة مسطر على جسدها .

أما واقعية التجربة ، فتمثل طابع الاجتراء الفنى ، والحنكة السردية التى اكتسبتها الكاتبة نعمات البحيرى عبر رحلتها المتميزة مع الكتابة الأدبية ، حتى ليمكنها من خلال قالب اليوميات ، أن تدمج المتخيل السردى فى خصوصية الواقع المعاش ، ولولا إدراكنا بواقعية التجربة المكتوبة ، بل وواقعية الوجود الإنسانى لشخصياتها كإشارة إلى الكاتبتين المعروفتين ( هالة البدرى وسهام بيومى ) ، لما نالت هذه الكتابة من شعورنا بأننا أمام عمل روائى بالدرجة الأولى ، فصدق الدفق الشعورى ، ومهارة التعبير الجمالى ، تضعنا داخل التجربة السردية  بسلاسة ، ومن ثم يجد القارئ نفسه وقد راح يتبع نعمات وصديقتيها خطوة بخطوة ، فى شعور متضارب بين الإثارة والحذر ، بين الخوف والرجاء ، فيمضى فى دهاليز باردة ، وأروقة بيضاء معقمة ، وممرات صامتة مفعمة برائحة المطهرات والمحاليل ، وأخرى تسمع فيها هسهسة الأجهزة الطبية وهى تعمل على أجساد المرضى بلا توقف ، فيما تتناثر أنات مكتومة هنا وهناك ، فترغب مثل نعمات البحيرى فى تجاوز أشباح المرض الكامن فى زوايا وأركان المركز ، على الأرض والمقاعد وفى الحدائق .. فى كل مكان .

إنه عالم كثيف وقاتم حقاً ، تنجح الروائية الموهوبة ( نعمات البحيرى ) أن تدخلنا فيه ، بلغة فيها طابع البوح الفنى ، تعرف متى تضرب على أعصاب القارئ ، وتبلغ به زروة التوتر ، ومتى تمهله لالتقاط الأنفاس ، لحظات قلية هى التى تدرك فيها أنك قارئ ، مجرد قارئ لعمل أدبى لم تكتبه أنت ، ومشاهد لتجربة مؤلمة لم تعشها إلا على مساحة من بياض الورق ، مع كل هذه التفاصيل الحية المؤلمة ، لحظات قليلة هى التى تتمكن فيها من الهروب خارج التجربة الموجعة ، لكنه هروب ـ أيضاً ـ مؤلم ، يمر عبر لحظات من خفة الروح .تتوزع هنا وهناك مثل جرعات الأوكسجين فى غرف الإنعاش، توزعها الكاتبة بحنكة كأنما تغوينا بأن نبقى معها وقتاً أطول ، أن نجلس على حرف سريرها بعض الوقت قبل أن يصرخ رجل الأمن ( أنتهت الزيارة … )، ألا نتركها تخوض رحلة الألم وحدها، ابتسامات واهنة تحررها من صدرها الموجوع ، تبثها مواطن دقيقة داخل السرد وربما الحوار :

” وكأنه الغيم تصعب الرؤية من خلاله ، ثلاث ترولات معدنية ملقى عليها ثلاث جثث ، أقصد أجساد ملفوفة فى ملاءات بيضاء خرجت لتوها من غرفة العمليات لغرفة

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك