روجرز

كتبهاسيد الوكيل ، في 6 ديسمبر 2007 الساعة: 20:28 م

 
روجرز.. لذة الكتابة
بعد أكثر من مائة صفحة لكتابة تتدفق من تيار الشعور لتعكس عوالم متمازجة بين السحرى والواقعى والخيالى والحقيقى ، وتتشظى بين مخلية سردية وأخرى سير ذاتية ، تناصات منفلتة لعوالم بصرية وأخرى كتابية ، ذكريات لألبومات العائلة ، شواهد تأتى من الماضى أزمنة الطفولة و السحر واللعب ،  أمكنة متخيلة وكأنها تطل علينا من عالم الجرافيك لتخلق اسطورتها الخاصة فى الزمان والمكان ، بعدأكثر من مائة صفحة من كتابة طازجة ومثيرة ومتشظية ، يكتب أحمد ناجى صاحب رواية روجرز : " أعرف أنه إذا كانت هذه الكتابة ممتعة وتمتلئ بالألعاب فسوف تدغدغنى النشوة وأناأكتب وكلما زادت الألعاب سوف أضحك وأستمتع أكثر .لكن الموسيقى دفعتنى لمنطقة أخرى وجدت نفسى أكتب النصوص التى أسرقها من أصدقائى وأدمجها مع بعض البهارات " .
وعلى غلاف الكتاب يكتب ناجى : " لعبة تمتزج فيها الموسيقى بالهلاوس بالذكريات بالسرقات الأدبية غير المشروعة …. " بما يعنى أن الكاتب يلفت انتباهنا إلى أننا أمام نص متعدد فى مستويات سردة ، وفى خطابه ، ومتعدى لحدوده إلى سرديات أخرى تأتى من عوالم  نصية  يتفاعل فيها مع نصوص أخرى ووسائط أخرى مثل الموسيقى والسينما والفديو كليب وألعاب الجرافيك وأفلام الكرتون .بل و أزمنة متعددة بين الماضى البعيد والقريب والحاضر اليومى .
هكذا .. يكاد أحمد ناجى يحدد لنا مفهومه للكتابة ، وهو مفهوم شخصى وخاص لايرغب فى استعارته من مفاهيم نظرية عامة عن الذات والآخر والواقع والرسالة والمعنى والحقيقة ومثل هذه الإحالات التى ترد حول مفاهيم الكتابة ، إنها تجربة خاصة وشخصية جداً ، تعادل فتنة الذكريات ، ومتعة اللعب ، ومغامرة سرقات ماكتبه الآخرون ونشوة الاستماع للموسيقى ، لهذا ليس ثمة معنى مقصود ومحدد بل معانى متداخلة وربما متناقضة ، بدايات متجددة وانحرافات لاتتوقف ، نوع من الطيران الحر والتحليق البعيد .. البعيد جداً لأقصى حدود الخيال ولأدنى حدود الواقع ، لهذا فالسرد عنده يتاخم حدود حلقات صغرى متداخلة بلا مركزية من أى نوع .
فى البداية ثمة مرجعيات تراثية ، عوالم ألف ليلة وليلة ، ، سحر الشرق القديم حيث الأبسطة السحرية وقماقم الجان التى تحقق الأمنيات المستحيلة وتختصر حدود الأمكنة والأزمنة وتحطم قوانينها ، عالم يختلط فيه السحر والدين والجنس والغناء والحكايات الغرائبية ، فأول سطور الرواية تستعير حكاية الحمال والثلاث بنات ، اشهر حكايات ألف ليلة ،عندما اصطحبت واحدة من البنات حمالا إلى بيتها ، فتحت الباب وقالت له ادخل ، وما أن دخل حتى انفتح عالم الخيال والحكايات على مصراعية ،ورأى هارون الرشيد ووزيرة جعفر والأعمى والأبرص ، حكاية وراء حكاية وأخرى تتولد من رحم أخرى ، يقول أحمد ناجى فى لغة تمازج بين لغة ألف ليلة ولغته هو، وكأنها لغة تعبرعن تداخل أزمنة السرد بوصفها علامات أسلوبية: " ومثل الأحلام كانت حركة قدمى ثقيلة وما أحمله كان خفيف الوزن ، بينما البهجة تطرب قلبى فقط لقربى منها حيث كنت مأخوذاً بفتنتها ، قلقاً من الاستيقاظ قبل اللحظة المناسبة ، وحين دفعت الباب برفق ، ثبت نظرى على غصنها الرهيف وهى تلج للداخل ، وقفت على العتبة ، استدارت بوجه بشوش نحوى وقالت : ادخل… "
عندئذ دخل الراوى عالم السحر الواسع ، وكأن بوابة الخيال الفسيح انفتحت على آخرها ، فقط عليه أن يكون خفيفاً مثل طفل لعوب ، متخلصاً من الأحمال الثقيلة التى يفرضها الواقع المعيش لتنفتح طاقة السرد الجبارة ، فالمكان هو حجرة لطفل ، وثمة سجادة صغيرة حمراء ، بمجرد أن يقف عليها تبدأ الطيران ، وبخفة وانسيابية يتداخل زمن بساط الريح مع زمن الجرافيك ، حيث سوبرمان يمكنه أن يطيربعباءة حمراء فوق كتفيه ، كما أنه يستطيع أن ينقذ العالم من العلماء الأشرار الذين يخططون لتدميرة ، ومن ثم تستدعى صورة أخرى فى خيال الطفل عن المدرسين والمدرسة وأسوارها العالية وتمرد لتلاميذ احتلوا المدرسة ( عالمهم المحدود ) وأداروه بطريقتهم الخاصة ليخلصوا العالم من المدرسين المازوخيين ، ومن جديد تتداخل صور الطفولة مع صور أخرى مستدعاة من فيلم ( الجدار ) وموسيقاه ، حيث يعلن التلاميذ كراهيتهم للمدرسة والتعليم ، وهو فى الفيلم ، يمثل ثورةعلى عصر هيمن فيه العقل العلمى على مقدرات العالم ، وصار يهدده بالدمار، عصر لايستطيع العيش فيه سوى السوبرمان على نحو ما يتصوره نيتشة ، أما سوبرمان أحمد ناجى فهو يمتلك قوة الطيران والقفز فوق الأزمنة والأمكنة والأسوار العالية التى تحجب العقل البشرى عن رؤية عوالم السحر وتعوق الخيال ، كما يمتلك قوة الجسد التى تمكنه من تحطيم المدن الأسمنتية القميئة التى تحولت هى نفسها إلى جدران عالية من المدنية والنظم المرهقة للذات الإنسانية تعوق تحررها وتفرض سياقات لواقع متوحش يسودة المازوخيين الأشرار .
( هكذا وقفت على منصة العلم فى باحة المدرسة ، وقمت بإنزال العلم وإحراقه ـ رمز سلطة النظام التى استعبدتنا نحن التلاميذ لقرون ـ أمام الجماهير التى وقفت تصفق وتصرخ بجنون… )
 وهكذا يمكن رؤية رواية (روجرز )  فى أحد جوانبها ، ذات نزوع تمردى لكنه تمرد ليس على طريقة الكبار ، أى من ذلك النوع العليم ببواطن الأمور الذى يمتلك اليقين والمعرفة ليطرح على العالم أسئلته أو يملى عليه أجوبته ، أو يبشر بيوتوبيا مستحيلة ، بل هو تمرد يحمل عبر اللعب والخيال طاقة الغضب والخوف التى تثور فى صدور الأجيال الشابة تجاه الواقع وصوره الشائهة ، يخلقون واقع افتراضى بديل يخصهم وحدهم ويشكلونه بأنفسهم على شبكات الأنترنت وشاشات الفضائيات بعيداً عن عيون الكبار ( المازوخيون الأشرار ) المددجون بأسلحة السلطة والاقتصاد والعلم والحكمة والطغيان، إنها رواية تتخذ اللعب والخيال وسيلة للتعبير عن رفضهم لواقع يرغبون فى تحطيمة ، أو على الأقل يقابلونه بواقع افتراضى متناسب مع مخيلتهم المترعة بالفوضى وذواتهم المكتنزة بتنقاضات لاحدود لها .
وإذا كان اللعب هو مبدأ الرواية ومحرك طاقتها السردية ، فإن اللعب هنا ليس مجرد وسيلة لتزكية الفراغ ، ولا يقف عندحدود المتعة المجردة ، بل يتجاوز دوره إلى طريقة لاكتشاف الذات ومعرفة الآخر ، ففى فيلم ( جو مانجى ) تكون اللعبة وسيلة للكشف عن المسكوت عنه والمقموع فى الأعماق من مخاوف وذكريات وصور شائهة حد الرعب ، هكذا تتكشف أبعاد الذات الإنسانية عبر اللعب ، فتلامس حدود المعانى النفسية والاجتماعية والدينية والثقافية ، وباللعب يتحول الخيال إلى واقع ، فالراوى ينظر إلى أحد المبانى الأسمنتية العالية ويتمنى فى داخله لو سقط وتهدم ( تخيلت انهيار المبنى فى ظرف ثانيتن ) ، يسقط المبنى فعلاً ، وتشتعل الحرائق ، تعم الفوضى العالم فتهرع سيارات الإسعاف والإطفاء ، ويتحول العالم المرتب المنظم بحكمة ومهارة الكبار إلى فوضى . يقابل ذلك شعور الفتى الذى يلهو بالعالم كما لو كان مجرد قطع من الميكانو المرصوصة بلذة ونشوة عارمتين .
واللعب هنا مشحون بسخرية ، تجعل كثيراً من مشاهد النص أقرب إلى المحاكاة الساخرة ، لصور ورموز ومفاهيم صنعها الكبار وظلت طوال الوقت تحظى بدرجة من الجدية والقداسة غير المبررة . فثورة الطلاب ليست مجرد تظاهرة تعبر عن نوع من الاحتجاج والغضب ، بل تتحول إلى صورة ساخرة للقيم الثورية التى طالما حظيت بالتقدير وألهبت خيال المبدعين وأثارت شهية المثقفين للكتابة المؤدجلة ، فالتلاميذ يتحولون إلى تنظيم مسلح ينجح فى إسقاط النظام والاستيلاء على الحكم وسط طقوس وشعائر ومصطلحات ثورية مستدعاة من أجندات الساسيين والزعماء والقادة فى محاكاة ساخرة مفعمة بالمفارقات التى تعكس إحساس هذا الجيل بخيباتهم ، وفقدان ثقتهم فى التاريخ الذى قام على الأحلام والمقولات الكبرى عن حقوق الإنسان والعدل والحرية  والنضال المسلح وغير ذلك من المعانى التى كانت مقدسة ولم تعد فى نظر الأجيال الشابة سوى مواقف وطرائف تأتى من الزمن البعيد مثلها مثل أساطير الأولين .
يلعب التناص دوراً مثيراً فى بناء الرواية ، يزيد من متعتها وقدرتها على الإدهاش ، فتسمع أصداء فتوات نجيب محفوظ الباحثة عن العدل المستحيل إلى جانب السوبرمان ، ثم ماكفير الربوت العملاق ، ولنلاحظ طابع السخرية وهو يستدعى من عالم الكارتون أبطاله المخلصون للعالم من الأشرار :" منجزنا الحضارى الأهم ، ماكفير .. مولد نووى يعمل بطاقة لانهائية ، حوامة طائرة يمكنها الانفصال والاتصال بالدماغ الأليكترونى الكهربى ، صواريخ بترونية فى الساعدين ، اشعة كونية تنطلق من أصابع اليد ، أشعة جاما وألفا تنطلق من الصدر ، قدرة على الطيران من خلال المحركات المحمولة على الظهر ،  أشعة ليزر حارقة من العينين ، قدرة على الخوص إلى الأعماق البعيدة من خلال التوربينات المثبتة فى القدمين ….) .
تحضر الأبعاد الاجتماعية والشخصية عبر وجوه يرسمها السرد ببراعة للأب والأم والجد ، والحبيبات ذوات الأسماء المستعارة أو الحقيقية ، وذوات الصفات الخارقة  أو الحسية ، وأصدقاء الطفولة والعابهم ، ويحضر على نحو خاص وجه ( يعقوب القناوى ) الذى يظهر فى صورة معكوسة للرواى تماما وكأنه تمثيل للآخر ، الذى يدخل وعلى فترات متباعدة فى جدل مع الذات ، له هو أيضاً احتجاجاته وسخريته ، لكنها هذه المرة سخرية من الراوى نفسة ، لو بمعنى آخر سخرية من الذات . يعلق يعقوب القناوى على استغراق الراوى فى تذكراته : " ما أشد فتنة الذكريات على قلب من هو ليس بغر ولا فتى " ، وفى لحظة من لحظات الغضب ، ينفصل عن الراوى ويتركه غارقاً فى عوالمه المتخيلة التى سحبته إلى داخلها فلم يعد يعرف حدودا بينها وبين الواقع ، وكأنه أصبح أسيراً لبرنامج الماتريكس .  
فى رواية ( روجرز ) وهى الرواية الأولى لصاحبها الذى مازال على العتبات الأولى للعشرين ، نحن بالفعل أمام رواية جديدة فى كل معانيها وتقنياتها ، فيها إفادات واضحة من شروط ما بعد حداثية ، ووسائط تنكولوجيا لم تعد مجرد أدوات يستخدمها البشر بقدر ما صارت حياة كاملة قادرة على ابتلاع العادى واليومى ـ الذى راهن عليه كتاب جيل التسعينيات ـ  فى أنساق معجزة عالية القدرة ، يمكنها أن ترسم حدود واقعنا وتفتح أفق مستقبلنا عبر نوافذ لانهائية المحتوى مثل نوافذ الكمبيوتر ، كلما فتحت نافذة حملتك إلى أخرى وكانها متاهة تخرج عن حدود العقل والمنطق والممكن والمتاح إلى أفضية من اللعب الحر غير المحدود .
      
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

3 تعليق على “روجرز”

  1. مساء الخير يا استاذ سيد

    لسة مخلص يا باشا لكل الكتابات الجديدة

    كما اعرفك وكما عاهدناك

    تلميزك / وائل سعيد

  2. مساء الفل ياوائل

    محبتى لك وللأسرة

    ياريت نشوفك

  3. روايه جمله عباره احلام طفل و ذكريات لم تحدث لشاب مكبوت



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر